الصفحة 39 من 86

"هذا القول أشبه القولين عندي بالصواب" [1] .

والذي يظهر لي أن كلا القولين جائز من غير ترجيح لأحدهما؛ إذ يصح أن يكون مفرد (الأساورة) (إسوارًا) بمعنى (سوار) ، ويصح أيضًا أن يكون جمعًا لـ (أسورة) فهو جمع الجمع.

4 -أصل الفعل في قوله تعالى: {لَمْ يَتَسَنَّهْ}

قرأ حمزة والكسائي قوله تعالى: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة 259] بالهاء وقفًا، وبحذفها وصلًا، وقرأ الباقون بإثباتها وقفًا ووصلًا [2] ، فأما قراءة حمزة والكسائي بحذف الهاء في الوصل، فالهاء زائدة للسكت، والمعنى: (لم تغيره السنون) [3] .

وأما قراءة الجمهور: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} ففي أصل الفعل ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن يكون من (تسنَّهَ، وسانهت) ، وهو (يتفعل) من (السنة) ؛ فيكون المعنى: (لم يتغير بمر السنين عليه، بل بقى على حاله، كما كان، كأنه لم يلبث مائة سنة) فالهاء على هذا لام الفعل، وسكنت للجزم، ولا يجوز حذفها في وصل ولا وقف؛ لأنها أصلية، ويجوز أن تكون الهاء للسكت على القول بأن لامها واو [4] .

واختار الجريري هذا الوجه، فقال:"إنه من (السنة) ، أي: لم تؤثر فيه السنون فنحيله ونغيره، ووصلوا بالهاء ووقفوا عليها؛ إذ كانت فيه أصلًا، يقولون: (بِعتُه مسانهة ومساناة) ، فجعل من قرأ هكذا الهاء لام الفعل وأصلًا فيه" [5] .

وقد ذهب إلى هذا جمهور المُعْربين، كالنحاس، ومكي، والزمخشري، وغيرهم [6] .

(1) الجليس 3/ 251، وانظر: جامع البيان 11/ 196.

(2) السبعة 188 - 189، والتيسير 82.

(3) وذلك لأن العرب تقول في جمع (السنة) : (سنوات) فإذا وصل القارئ قراءته اتصلت النون بما بعدها؛ فاستغنى عن الهمز في الفعل بعدها، فحذفت الهاء لزوال السبب الذي جاءت له، والأصل فيه: (لم يتسنى) فحذفت الألف للجزم، ويرى الفراء أن المعنى: (لم يتغير) ، والأصل: (لم يتسنن) ، ثم قلبت النون الأخيرة ياء استثقالًا لثلاث نونات متواليات، فصار: (يتسنى) ، ثم حذفت الياء بعد دخول الجازم، فصار: (لم يتسن) ، ثم زادوا الهاء للوقف، فإذا وصلوا القراءة حذفت لزوال العلة فيها. [انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 172، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 332، وحجة القراءات 1/ 142] .

(4) أصل (سنة) : (سَنْهة) ، مثل (الجبهة) ؛ فهو من (سنهت النخلة وتسنهت) : إذا أتت عليها السنون، ويجوز أن يكون أصله (سَنْوة) من الواو، بدليل قولهم: (سنوات) ، فيقال في تصغيرها: (سُنَيهة، وسنية) [انظر: التاج 36/ 409 - 410] .

(5) الجليس 3/ 384.

(6) انظر: إعراب القرآن للنحاس 1/ 332، والحجة لابن خالويه 1/ 100، والحجة للفارسي 2/ 369 - 370، وكشف مشكل القرآن لمكي 1/ 308، وحجة القراءات 1/ 43، والكشاف 1/ 152، وكشف المشكلات 1/ 198 - 199، والبيان لأبي البركات 1/ 171، والتبيان للعكبري 1/ 109، وتفسير البيضاوي 1/ 560، وفتح القدير 1/ 421، وانظر: معاني القرآن، للفراء 1/ 172، وتفسير القرطبي 4/ 302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت