في بيت جرير، ولأن هذا الاسم أقل الأصول في العدد والحركة؛ فعادلت خفته أحد السببين، والخفة لا تقوى على الذهاب بعلة من العلتين؛ ولهذا رجح عند سيبويه وغيره المنع من الصرف.
12 -حذف الضمة والكسرة للضرورة
ذهب الجريري إلى جواز حذف الضمة والكسرة في الإعراب لضرورة الشعر، فيقول:
قال الشاعر:
فإن أُخْدَعْ فقد تُخْدَعْ وتؤخذْ عتيقُ الطيرِ من جَوِّ السحابِ [1]
أسكن في هذا البيت (فقد تخدع) ، ومتى لم يدخل عليه جازم يجزمه ولا ناصب ينصبه، فتسكينه إذا وُصِل بكلام بعده خارج عن الفصيح المعروف في كلام العرب، وينبغي أن يكون هذا مرفوعًا على أصله، ولما لم يمكن هذا الشاعر تحريكه لئلا ينكسر وزن البيت الذي قاله أسكنه، وأقرب ما يعتذر له به أنه عمل على السكون عليه ونيته الرفع، وقد رُوىَ مثلُ هذا الوجه في أبيات روتها العلماء" [2] ."
وما ذهب إليه الجريري هو مذهب الخليل، وسيبويه، وجمهور البصريين [3] الذين يرون أن حذف الضمة والكسرة في الإعراب جائز، كقولهم: (قام الرجلْ إليك) ، وذهبت جاريتْك) و (أنا أذهبْ إليك) . واستشهدوا على ذلك بعدة شواهد، منها قول الشاعر:
فاليومَ أشربْ غيرَ مستحقبٍ إثمًا من اللهِ ولا واغلِ [4]
والشاهد في قوله: (أشربْ) حيث حذف ضمة الإعراب من الفعل المضارع المرفوع، للضرورة الشعرية، تشبيهًا له بما تحرك وسطه بالضمة، فخُفِّفَ بالتسكين، نحو: (عضُد) . والفرق بين حذف الحركة في البيت وحذفها في نحو: (عَضُد، وفَخِذ) : أن حذفها فيهما حسنٌ مطرد في الشعر والكلام؛ لأنه لا يزيل معنى، ولا يغير إعرابًا، أما حذفها في البيت فيزول الإعراب الذي تنعقد به المعاني، ولكن سيبويه - هنا - يشبه اللفظ باللفظ [5] .
وقال الشاعر:
(1) البيت من الوافر، انظر: مجالس ثعلب 2/ 415، والجليس 1/ 242، والنهاية 4/ 92، واللسان (ق ف ف) .
(2) الجليس 1/ 242 - 243.
(3) انظر: الكتاب 4/ 203، ومعاني الأخفش 1/ 267، وشرح الكتاب للسيرافي 2/ 168، والخصائص 1/ 74، وشرح ابن يعيش 1/ 48، وشرح ابن عصفور 2/ 583، والارتشاف 2405، والتذييل 1/ 204 - 205.
(4) البيت من السريع لامرئ القيس، انظر: ديوانه 134، والكتاب 4/ 204، ومعاني القرآن للأخفش 1/ 267، والأصول 2/ 364، وشرح السيرافي 2/ 198، والجليس 1/ 244، والخصائص 1/ 74، وشرح ابن يعيش 1/ 48، وشرح ابن عصفور 2/ 193، وشرح الرضي 4/ 25، والتذييل 1/ 204، والارتشاف 2404. و (المستحقب) : المتكسب، و (الواغل) : الداخل على الشرب، قاله الشاعر حين أدرك ثأر أبيه، وكان قد نذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر له.
(5) انظر: شرح السيرافي 2/ 170.