وقد اختلف النحويون في ذلك على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب سيبويه والمبرد والجمهور، واختاره الجريري [1] أن الوجهين جائزان، والمنع من الصرف أكثر، وحجتهم في ذلك السماع والقياس:
فأما السماع فكقول الشاعر:
لم تتلفَّعْ بفضلِ مئزرِها ... دعدٌ ولم تُغْذَ دعْدُ في العُلب [2]
وأما القياس فلأنه أخف الأسماء؛ لأنه أقل الأصول عددًا وحركة؛ فعادلت خفته أحد السببين [3] ، وذهب الفارسي، وعلم الدين اللورقي إلى أن الصرف أفصح [4] .
المذهب الثاني: مذهب الأخفش، والزجاج أنه ممنوع من الصرف مطلقًا [5] ، وذلك لوجود السببين فيه، وهما العملية والتأنيث، ولا عبرة بالخفة فيه؛ لأن الموانع التي تمنع من الصرف أشياء معنوية، فلا معارضة بينها وبين اللفظ [6] .
المذهب الثالث: مذهب الفراء أنه ممنوع من الصرف إذا كان اسم بلدة، نحو: (فيْد) [7] ، وحجته في ذلك: أنهم لا يوقعون فيه الاشتراك اللفظي غالبًا، بخلاف أسماء الأناسيِّ، فإنهم يوقعونه فيها كثيرًا؛ فاحتاجت إلى التخفيف؛ لأنه لم يكثر في الكلام، بخلاف (هند) ونحوه [8] .
والذي يظهر لي من هذه الآراء أنه يجوز صرف المؤنث الثلاثي الساكن الوسط وعدم صرفه مع ترجيح المنع من الصرف، وهو مذهب الجمهور، واختاره الجريري، وذلك لورود السماع به عن العرب، كما
(1) انظر: الكتاب 3/ 240 - 241، والمقتضب 3/ 350، واللباب 508، وشرح الكافية الشافية 3/ 1491، والارتشاف 878، والتصريح 4/ 241 - 242، وشرح الأشموني 3/ 254.
(2) البيت من المنسرح لجرير في ديوانه 67، والكتاب 3/ 241، والخصائص 3/ 61، 316، والمنصف 2/ 77، وشرح ابن يعيش 1/ 70، واللباب 508، وشرح الأشموني 3/ 154، والتلفع: الالتحاف بالثوب، والمئزر: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن، والعلب: جمع (عُلبة) ، وهي إناء من جلد يشرب به الأعراب، وهو يصف دعدًا بأنها نشأت في الرفاهية والنعمة.
(3) انظر: اللباب 509.
(4) انظر: الإيضاح العضدي 307، والمحصل 1/ 483، والارتشاف 878.
(5) انظر: ما ينصرف للزجاج 49، والجليس الصالح 1/ 325، وشرح الكافية الشافية 3/ 1492، وشرح الرضى 1/ 135، والارتشاف 878، والهمع 1/ 113، وشرح الأشموني 3/ 254.
(6) انظر: اللباب 509.
(7) انظر: الارتشاف 878، وشرح الأشموني 3/ 254.
(8) حاشية الصبان على الأشموني 3/ 254.