و (يا ابن عم) لمن ليس بأخيه ولا ابن عمه، وهذا عندي لازم في (يا أخي ويا ابن أخي) ؛ لكثرة قولهم: (يا أخي، ويا ابن أخي) للأجنبي" [1] ."
فالجريري يرى أن حذف الياء لا يختص بقولهم: (يا ابن أم، ويا ابن عم) ، وإنما يُحْمَلُ عليهما أيضًا: (يا ابن أخ) ، وهو عنده وجه معروف في كلام العرب، واستدل على ذلك بورود السماع به في قول رفاعة بن زيد رضي الله عنه:"يا ابن أخ ما صنعت؟"بحذف الياء، ووجه جوازه: كثرة استعماله أيضًا للأجنبي ممن ليس بابن أخيه. وقد توقف الفراء في إجازته له؛ لأنه لم يثبت لديه السماع فيه، فيقول:"ولم يقولوا ذلك في (أخِ) ، ولو قيل كان صوابًا" [2] ، وتابعه ابن جرير الطبري [3] ، أما الجريري فقد ثبت لديه السماع؛ ولذلك جعل حذف الياء من (يا ابن أخ) لازمًا بالقياس على قولهم: (يا ابن أم، ويا ابن عم) .
ولعل هذا المذهب مما انفرد به الجريري، فلم أر من ذهب إليه غيره، وقد حكاه ابن عمرون (ت649هـ) عن بعضهم، يقول ناظر الجيش:"وقد قال ابن عمرون: وقيل: إن بعض النحاة جوَّز حذف الياء من (يا ابن أخي) ، وليس بمعروف" [4] ، ولعل الجريري هو المقصود بهذا، وليس لدىَّ ما يقطع به. وقد نقل ابن النحاس في تعليقته على المقرب أن منهم من أجاز ذلك في: (يا ابن خالي) ؛ لأنه كثر استعماله كثرة استعمال (يا ابن عمي، ويا ابن أمي) [5] .
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح الذي ورد به السماع عن العرب؛ إذ لم يُسْمَعْ عنهم حذف الياء إلا في (يا ابن أم، ويا ابن عم) ، ويُرَدُّ على الجريري بأن الرواية المشهورة الواردة في الخبر جاءت بإثبات الياء، لا بحذفها [6] ، فقد تكرر قوله: (يا ابن أخي) في حديث طويل في غير مرة، الأولى: (يا ابن أخي إنه عدى علينا) ، والثانية: (يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، والثالثة: (يا اين أخي ما صنعت؟) ، والرابعة: (يا ابن أخي هو في سبيل الله) ، وذلك كله بإثبات الياء فيها، يضاف إلى هذا أن ابن عصفور صرح بأن الياء لا تحذف من قولهم: (يا ابن أخي) [7] ، معتمدًا في ذلك على السماع.
(1) الجليس الصالح 2/ 352.
(2) معاني القرآن للفراء 1/ 394.
(3) جامع البيان 6/ 86.
(4) تمهيد القواعد 7/ 3584.
(5) انظر: شرح المقرب المسمى التعليقة لابن النحاس 1/ 598. وابن عمرون هو محمد بن محمد بن عمرون الحلبي النحوي، ولد بحلب سنة 596هـ، وأخذ عن ابن يعيش وابن مالك، توفى سنة 649هـ، انظر: إشارة التعيين 337، والبغية 1/ 232.
(6) انظر: جامع الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء، برقم 3036.
(7) شرح الجمل لابن عصفور 2/ 104.