لَعَمْرُكَ ما أدري وإن كنتُ داريًا بسبعٍ رمين الجمر أم بثمان؟" [1] "
فالشاهد في البيت الأول في قوله: (تروح من الحي أم تبتكر؟) حيث جاز حذف همزة الاستفهام لدلالة (أم) عليها، والتقدير: (أتروحُ من الحي أم تبتكر؟) ، وكذلك البيت الثاني في قوله: (بسبع رمين الجمر أم بثمان؟) ، والتقدير: (أبسبعٍ رمين الجمر؟) .
وأجاز المالقي وابن نور الدين حذفها إذا فُهِمَ المعنى، ودل عليه السياق [2] ، وذلك لأنها أصل أدوات الاستفهام، وجعل الإربلي هذا الحذف كثيرًا مع وجود (أم) المتصلة المعادلة [3] .
وذهب المرادي [4] إلى أن حذفها مطرد [5] لكثرته نظمًا ونثرًا، واستدل على ذلك بقراءة ابن محيصن: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ َأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة 6] بهمزة واحدة [6] . وبقراءة أبي جعفر: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} [المنافقون 6] بهزة وصل [7] . وذهب الأخفش وابن مالك إلى جواز حذف همزة الاستفهام في الاختيار عند أمن اللبس، سواء أَوُجِدتْ (أمْ) في الكلام أم لم توجد [8] ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام 76، 77، 78] وقوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} [الشعراء 22] ، وبقول الشاعر:
رَفَوْني وقالوا: يا خويلد لم تُرَعْ فقلت، وأنكرتُ الوجوه: هُمُ هُمُ؟ [9]
وقد ردَّ المحققون ذلك؛ لما فيه من التباس الخبر بالاستفهام، يقول الجريري:"هو خبر، وليس باستفهام وغير جائز الاشتراك بين الخبر والاستخبار؛ لما فيه من فساد الكلام في القياس ودخول الإشكال والالتباس" [10] .
(1) الجليس 3/ 219 - 220.
(2) انظر: رصف المباني 45، ومصابيح المغاني 14.
(3) جواهر الأدب 22.
(4) الجني الداني 35.
(5) وذهب السمين الحلبي إلى أن ذلك إجماع [الدر المصون 10/ 341] ، وما قاله غير صحيح، لوجود الخلاف السابق فيه.
(6) انظر: مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه 10، والنشر لابن الجزري 2/ 207.
(7) انظر: المحتسب 2/ 322، والنشر 2/ 388.
(8) انظر: معاني القرآن للأخفش 1/ 182 - 183، وشواهد التوضيح 87 - 89، وقد استدل فيه ابن مالك على ذلك بعدة أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر عيرته بأمه؟) .
(9) البيت من الطويل، لأبي خراش الهذلي خويلد بن مرة، في: ديوان الهذليين 2/ 144، والرواية فيه: (لا تُرَعْ) ، و (رَفَوْني) أي: سكَّنوني، انظر: تهذيب الألفاظ 119، والجليس 1/ 506، واللسان [رف و] 5/ 278، وتاج العروس 38/ 172.
(10) الجليس الصالح 3/ 219، 1/ 506، وانظر في ذلك: معاني الفراء 1/ 341، 2/ 279 فقد أجاز حذف همزة الاستفهام مع أفعال الشك، ورد عليه الأخفش الأصغر وتلميذه النحاس بأن العرب لا تعرفه [انظر: إعراب القرآن للنحاس 3/ 176، 177، والارتشاف 4/ 2124، والدر المصون 4/ 84، 8/ 517] .