الصفحة 17 من 86

5 -إعراب (مظلمًا) من قوله تعالى:

{كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا}

وهي قراءة الجمهور غير ابن كثير والكسائي يقرأون (قطعًا) بفتح الطاء [1] ، وهي جمع (قطعة) ، بمعنى: الجزء من الشىء، سمى قطعة؛ لأنه يقتطع من كُلٍّ غالبًا؛ فهي (فِعْلة) بمعنى (مفعولة) نقلت إلى الاسمية [2] ، و (قطعًا) مفعول ثان للفعل (أغشيت) ، و (من الليل) صفة لـ (قطعًا) ، وأما قوله: (مظلمًا) ففي إعرابها وجهان:

الوجه الأول: أن يكون حالًا من (الليل) ، وقد ذهب إلى هذا أبو الفرج الجريري، فيقول:

"والصواب عندنا من القول في وجه قراءة من قرأ (قطعًا) بالتحريك: أن نصبه (مظلمًا) على الحال، والمعنى: (من الليل في حال إظلامه) ، أي: شدة ظلمته، والكوفيون من النحويين يقولون: هو منصوب على قطع النكرة من المعرفة، و المعنى: (من الليل المظلم) " [3] .

وهذا المذهب هو مذهب الجمهور كأبي جعفر الطبري، ومكي، والزمخشري، والأنباري، وابن زنجلة، ووافقهم العكبري، والبيضاوي، والقرطبي، والشوكاني [4] .

ومعنى الكلام على هذا الإعراب: (كأنما أغشى وجه كل إنسان منهم قطعة من الليل) ، ثم جُمع ذلك؛ لأن الوجوه جمع، فالمعنى: (أغشيت وجوههم قطعًا من الليل في حال ظلمته [5] ، والعامل في الحال:(أغشيت) ؛ لأنه العامل في (قطعًا) ، وهو الموصوف بالجار والمجرور، والعامل في الموصوف عامل في الصفة، ويجوز أن يكون العامل فيه معنى الفعل في قوله: (من الليل) [6] .

الوجه الثاني: أن يكون (مظلمًا) صفة لـ (قطعًا) ، ورده مكى، والأنباري، وابن زنجلة، وغيرهم [7] ؛ لأنه كان يجب أن يقال: (مظلمة) بالتأنيث.

وأجيب عن هذا: بأن (قطعًا) جاءت مذكرة؛ لأنها في معنى (الكثير) ، وهو مذكر [8] ، فهو كقول الشاعر:

(1) وأما قراءة ابن كثير والكسائي فهي بسكون الطاء فيها، انظر: السبعة 325، والتيسير 121، والقطْع: طائفة من الليل، أو اسم لما قطع فسقط، و (مظلما) على هذه القراءة يجوز أن تكون نعتًا لـ (قطعًا) على سبيل المبالغة، أو تكون حالًا من (الليل) ، أو من الضمير المستتر في الجار لوقوعه صفة، أو من (قطعًا) لتخصصه بالوصف الذي بعده، وهو (من الليل) ، انظر: الكشاف 1/ 518، والبيان لأبي البركات 1/ 411، والتبيان 2/ 27، وتفسير القرطبي 8/ 299، والدر المصون 6/ 187.

(2) انظر: التحرير والتنوير 1961.

(3) الجليس 1/ 259.

(4) انظر: جامع البيان 6/ 554،والمشكل لمكي 1/ 379، والكشاف 1/ 518، والبيان 1/ 411، وحجة القراءات 1/ 330، والتبيان 2/ 27، وتفسير البيضاوي 1/ 194، وتفسير القرطبي 8/ 299، وفتح القدير 2/ 635.

(5) انظر: جامع البيان 6/ 554، وحجة القراءات 1/ 330.

(6) انظر: الكشاف 1/ 518، وتفسير البيضاوي 1/ 194.

(7) المشكل لمكي 1/ 379، والبيان 1/ 411، وحجة القراءات 1/ 330، وتفسير البغوي 1/ 131.

(8) انظر: التبيان 2/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت