ويردّ الله تعالى على ذلك الذي اعْتذر برغْبته في المحافظة على أوْلاده وأمْواله في مكّة، بأنّ الأقارب والأوْلاد، الذين توالون الكفّار منْ أجْلهمْ، لنْ ينْفعوكمْ يوْم القيامة، ولنْ يدْفعوا عنْكمْ شيئًا منْ عذاب الله، إنْ عصيْتموه في الدّنْيا، لأنّه سيفْصل بيْنهمْ وبيْن أقاربهمْ في ذلك اليوْم العصيب. ويذْهل كلّ واحدٍ عمّنْ سواه، ويكون لكلّ واحدٍ شأْنٌ يغنيه في ذلك اليوْم، والله بصيرٌ بما يعْمله العباد.
أفلا تأسّى هؤلاء الذين يوادّون الكافرين بأبيهمْ إبْراهيم، وأصْحابه المؤْمنين، حين قالوا لقوْمهم الذين كفروا بالله: إنّا برآء منْكمْ وممّا تعْبدون منْ دون الله من الآلهة والأنْداد، وجحدْنا ما أنْتمْ عليه من الكفْر، وأنْكرْنا عبادتكمْ ما تعْبدون منْ دون الله منْ حجارةٍ وأوْثانٍ وأصْنامٍ، وقدْ أعْلنّا الحرْب عليْكمْ، فلا هوادة بيْننا وبيْنكمْ، وسنبْقى على ذلك حتّى تؤمنوا بالله وتوحّدوه، وتعْبدوه وحْده لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولد، وتتخلّصوا منْ عبادة الأصْنام والأوْثان.
ولكمْ في أبْيكمْ إبْراهيم وقوْمه أسْوةٌ حسنةٌ تتأسّوْن بها، وتعْتبرون بها في مسْلككمْ وعبادتكمْ، ولا تسْتثْنوا منْ تصرّفات إبْراهيم التي تقْتدون بها إلاّ اسْتْغْفاره لأبيه الذي بقي مقيمًا على الكفْر، فقدْ قال إبْراهيم لأبيه: إنّه سيسْتغْفر له الله، وإنّه لا يسْتطيع أنْ ينْفعه بأكْثر منْ ذلك، فالأمْر مرْدودٌ إلى مشيئة الله، إنْ شاء غفر وإنْ شاء عذّب. ولكنّ هذا القوْل صدر عنْ إبْراهيم حينما وعده أبوه بأنّه سيؤْمن بالله، ويتْبعه فيما يعْبد. فلمّا تبيّن إبْراهيم أنّ عدوٌ لله تبرّأ منْه.
وحينما فارق إبْراهيم والمؤْمنون معه قوْمهمْ لجؤوا إلى الله متضرّعين قائلين: ربّنا إنّنا اعْتمدْنا عليْك في جميع أمورنا (توكّلْنا) ،ورجعْنا إليك بالتّوْبة منْ ذنوبنا، وإليك مصيرنا حين تبْعثنا منْ قبورنا للْعرْض والحساب. فاقْتدوا بهمْ يا أيّها المؤْمنون، وقولوا مثْل قوْلهمْ.
ربّنا ولا تسلّطْ قوْمنا الكافرين علينا، ولا تجْعلْهمْ يظْهرون علينا، فيعْملوا على فتْنتنا عنْ ديننا بالعذاب والنّكال. وهمْ يظنّون أنّهمْ إنّما ظهروا عليْنا لأنّهمْ على حقٍّ فيما