المدِينةِ، وقال لهُمْ: يا معْشر اليهُودِ أسْلِمُوا قبْل أنْ يُصِيبكُمْ اللهُ بِما أصاب بِهِ قُريْشًا. فقالُوا: يا مُحمّدُ لا يغُرّنّك مِنْ نفْسِك أنّك قتلْت نفرًا مِنْ قُريشٍ لا يعْرِفُون القِتال، إنّك واللهِ لوْ قاتلْتنا لعرفْت أنّا نحْنُ النًّاسُ، وأنّك لمْ تلْق مِثْلنا. فأنزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية والتي بعْدها، وقدْ صدق اللهُ وعْدهُ فقتل المُسْلِمُون بنِي قُريْظة، وأجْلوا بنِي النّضِيرِ وبنِي قيْنُقاع، وفتُحُوا خيْبر). [1]
فى سكرة السلطان، يفقد كثير من الناس صوابهم، ويضل عنهم رشدهم، فتمرّ بهم العبر وهم عنها غافلون .. وفيما ذكر الله سبحانه- مما أخذ به الطغاة والظلمة، ما فيه عبرة ومزدجر للطغاة والظلمة، من كفار مكة .. ولكنهم في سكرتهم يعمهون. وإنه لكى تنقطع أعذارهم ولا يكون لهم على الله حجة، فقد أمر الله نبيّه عليه السّلام، أن يلقاهم صراحة بهذا النذير، وأن يقرع آذانهم بما ينتظرهم من مصير مشئوم، إن هم ظلّوا على ما هم عليه من عمى وضلال .. «سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ» فلا حظّ لهم في الدنيا ولا في الآخرة .. إذ لا يعصمهم سلطانهم، ولا تمنعهم كثرتهم وقوتهم، من أن يلقوا الهزيمة في هذه الدنيا على يد هؤلاء الذين استضعفوهم واستبدّوا بهم، وهذا من أنباء الغيب التي حملها القرآن عزاء وبشرى للمؤمنين، إذ تلقّوا هذا الوعد الصادق الذي لا يخلف أبدا، فهوّن عليهم البلاء الذي هم فيه، وربط على قلوبهم بالصبر، انتظارا ليوم النصر، وقد جاء تأويل هذا في تلك الخاتمة التي ختمت بها حياة الكفر والكافرين، يوم فتح مكة، يوم جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا. هذا ما كان ينتظر الكافرين في الدنيا، التي ظنوا أنهم يمسكون منها بالسبب القوىّ الذي لا ينقطع .. أما في الآخرة فالأمر أدهى وأمرّ .. حيث تنتظرهم جهنم بسعيرها المتسعر، وعذابها الأليم .. «وَبِئْسَ الْمِهادُ» . [2]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:306، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 410)