فمنهم من يفتن ويرتد , ومنهم من يصدق ما عاهد الله عليه فيقضي نحبه شهيدا ومنهم من ينتظر حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق . .
هؤلاء يفتح الله عليهم , ويجعل منهم ستارا لقدره , ويمكن لهم في الأرض تحقيقا لوعده بنصر من ينصره , والتمكين في الأرض له , ليقيم مملكة الله في الأرض - أي لينفذ حكم الله في الأرض - ليس له من هذا النصر والتمكين شيء ; إنما هو نصر لدين الله , وتمكين لربوبية الله في العباد
وهؤلاء لا يقفون بهذا الدين عند حدود أرض معينة ; ولا عند حدود جنس معين ; ولا عند حدود قوم أو لون أو لغة أو مقوم واحد من تلك المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة ! إنما ينطلقون بهذه العقيدة الربانية ليحرروا"الإنسان". .
كل الإنسان:في"الأرض". .
كل الأرض . .
من العبودية لغير الله ; وليرفعوه عن العبودية للطواغيت أيا كانت هذه الطواغيت .
وفي أثناء الحركة بهذا الدين - وقد لاحظنا أنها لا تتوقف عند إقامة الدولة المسلمة في بقعة من الأرض , ولا تقف عند حدود أرض أو جنس أو قوم - تتميز أقدار الناس , وتتحدد مقاماتهم في المجتمع , ويقوم هذا التحديد وذلك التميز على موازين وقيم إيمانية , الجميع يتعارفون عليها , من البلاء في الجهاد , والتقوى والصلاح والعبادة والأخلاق والقدرة والكفاءة . .
وكلها قيم يحكم عليها الواقع , وتبرزها الحركة , ويعرفها المجتمع ويعرف المتسمين بها . .
ومن ثم لا يحتاج أصحابها أن يزكوا أنفسهم , ولا أن يطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية . .
وفي المجتمع المسلم الذي نشأ هذه النشأة , وقام تركيبه العضوي على أساس التميز في أثناء الحركة بتلك القيم الإيمانية - كما حدث في المجتمع المسلم من تميز السابقين من المهاجرين ثم الأنصار , وأهل بدر , وأهل بيعة الرضوان , ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل - ثم ظل يتميز الناس فيه بحسن البلاء في الإسلام . .
في هذا المجتمع لا يبخس الناس بعضهم بعضا , ولا ينكر الناس فضائل المتميزين - مهما غلب الضعف البشري أصحابه أحيانا فغلبتهم الأطماع - وعندئذ تنتفي الحاجة - من جانب آخر - إلى أن يزكي المتميزون أنفسهم ويطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية . .
ولقد يخيل للناس الآن أن هذه خاصية متفردة للمجتمع المسلم الأول بسبب نشأته التاريخية ! ولكنهم ينسون أن أي مجتمع مسلم لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة . .
لن يوجد اليوم أو غدا , إلا أن تقوم دعوة لإدخال الناس في هذا الدين من جديد , وإخراجهم من الجاهلية التي صاروا إليها . . وهذه نقطة البدء . .