فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 2003

ومن ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته , يعيش في فراغ , لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها . . إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ !

ونأخذ مثالا لهذا التقرير العام هذا الحكم الفقهي الإسلامي بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب ,وهو المأخوذ من قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) ومن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله". .

لقد نشأ هذا الحكم - كما نزلت تلك النصوص - في مجتمع مسلم ; ليطبق في هذا المجتمع ; وليعيش في هذا الوسط ; وليلبي حاجة ذلك المجتمع . وفق نشأته التاريخية , ووفق تركيبه العضوي , ووفق واقعه الذاتي . فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي . . وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي . وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشىءآثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي . .

إسلامي في نشأته , وفي تركيبه العضوي , وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة . .

وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقومات كلها يعتبر"فراغا"بالقياس إلى ذلك الحكم , لا يملك أن يعيش فيه , ولا يصلح له , ولا يصلحه كذلك !

.. ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي . وإن كنا في هذا المقام لا نفصل إلا هذا الحكم بمناسبة ذلك السياق القرآني . .

ونريد أن نفهم لماذا لا يزكي الناس أنفسهم في المجتمع المسلم , ولا يرشحون أنفسهم للوظائف , ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشوري أو للإمامة أو للإمارة . .

إن الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز أفضليتهم وأحقيتهم . كما أن المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحدا بالتزاحم عليه - اللهم إلا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى - ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم . وهؤلاء يجب أن يمنعوها !

ولكن هذه الحقيقة لا تفهم إلا بمراجعة النشأة الطبيعية للمجتمع المسلم , وإدراك طبيعة تكوينه العضوي أيضا . .

إن الحركة هي العنصر المكون لذلك المجتمع . فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية . .

أولا:تجيء العقيدة من مصدرها الإلهي متمثلة في تبليغ الرسول وعمله - على عهد النبوات - أو متمثلة في دعوة الداعية بما جاء من عند الله وما بلغه رسوله - على مدار الزمان بعد ذلك - فيستجيب للدعوة ناس ; يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة السائدة في أرض الدعوة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت