ولا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد إنما تقررت في النظام الإسلامي الذي تقرر على عهد محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنها لم تكن مقررة على أيام يوسف - عليه السلام - والمسائل التنظيمية في هذا الدين ليست موحدة كأصول العقيدة , الثابتة في كل رسالة وعلى يد كل رسول .
لا نريد أن نجيب بهذا , وإن كان له وجه , لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقا , وأوسع آفاقا من أن يرتكن إلى هذا الوجه ; وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها , لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص , ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها , والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود !
إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ , كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ ! . .
لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم , ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية . كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم ; إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي . .
وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتا الدلالة ; كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي ; وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية .
والذين يأخذون اليوم تلك النصوص والأحكام المدونة , دون إدراك لهاتين الحقيقتين ; ودون مراجعة للظروف والملابسات التي نزلت فيها تلك النصوص ونشأت فيها تلك الأحكام , ودون استحضار لطبيعة الجو والبيئة والحالة التي كانت تلك النصوص تلبيها وتوجهها ; وكانت تلك الأحكام تصاغ فيها وتحكمها وتعيش فيها . .
الذين يفعلون ذلك ; ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ ; وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ . .
هؤلاء ليسوا"فقهاء"!
وليس لهم"فقه"بطبيعة الفقه ! وبطبيعة هذا الدين أصلا !
إن"فقه الحركة"يختلف إختلافا أساسيا عن"فقه الأوراق"مع استمداده أصلا وقيامه على النصوص التي يقوم عليها ويستمد منها"فقه الأوراق"!
إن فقه الحركة يأخذ في اعتباره"الواقع"الذي نزلت فيه النصوص , وصيغت فيه الأحكام . ويرى أن ذلك الواقع يؤلف مع النصوص والأحكام مركبا لا تنفصل عناصره . فإذا انفصلت عناصر هذا المركب فقد طبيعته , واختل تركيبه !