فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 2003

ومكن لهم من الحياة الرغيدة فيه . ولكنهم كانوا دائمًا - كما كانوا على عهد الرسول - عقارب وحيات وثعالب وذئابًا تضمر المكر والخيانة ، ولا تني تمكر وتغدر . إن أعوزتهم القدرة على التنكيل الظاهر بالمسلمين نصبوا لهم الشباك وأقاموا لهم المصائد ، وتآمروا مع كل عدو لهم ، حتى تحين الفرصة ، فينقضوا عليهم ، قساة جفاة لا يرحمونهم ، ولا يرعون فيهم إلا ولا ذمة . أكثرهم كذلك . . كما وصفهم الله سبحانه في كتابه ، وكما أنبأنا عن جبلتهم التي أورثها إياهم نقضهم لميثاق الله من قديم

والتعبير القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ، تعبير طريف:

{ ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم } . .الفعلة الخائنة ، والنية الخائنة ، والكلمة الخائنة ، والنظرة الخائنة . . يجملها النص بحذف الموصوف وإثبات الصفة . . « خائنة » . . لتبقى الخيانة وحدها مجردة ، تملأ الجو ، وتلقي ظلالها وحدها على القوم . . فهذا هو جوهر جبلتهم ، وهذا هو جوهر موقفهم ، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع الجماعة المسلمة . .

إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق . وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها ، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله ، ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها؛ وتسمع توجيهاته؛ وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها ، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام .

.ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها؛ وحين اتخذت القرآن مهجورًا - وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة ، وتعاويذ ورقى وأدعية! - أصابها ما أصابها .

ولقد كان الله - سبحانه - يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه ، حين نقضوا ميثاقهم مع الله ، لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع الله ، فيصيبها ما يصيب كل ناكث للعهد ، ناقض للعقد . . فلما غفلت عن هذا التحذير ، وسارت في طريق غير الطريق ، نزع الله منها قيادة البشرية؛ وتركها هكذا ذيلًا في القافلة! حتى تثوب إلى ربها؛ وحتى تستمسك بعهدها ، وحتى توفي بعقدها . فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس . . وإلا بقيت هكذا ذيلًا للقافلة . . وعد الله لا يخلف الله وعده . .

ولقد كان توجيه الله لنبيه في ذلك الحين الذي نزلت فيه هذه الآية: { فاعف عنهم واصفح ، إن الله يحب المحسنين } . .والعفو عن قبائحهم إحسان ، والصفح عن خيانتهم إحسان . .

ولكن جاء الوقت الذي لم يعد فيه للعفو والصفح مكان . فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم عن المدينة . ثم أن يأمر بإجلائهم عن الجزيرة كلها . وقد كان .

ــــــــــــــــــــ

38.الغدرُ :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت