،ولابد من معرفة هذه الحقيقة ، فبقدر التضحية وعظمِها يكون النصر، ولو كان النصرُ تمرًا يؤكل لأعطيه أفضلُ الخلق وأحبُّهم إلى الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم .
الوقفة السادسة: أن ما قدمه المؤمنون من أعمال صالحة، وجهادٍ وبذل، ودعاء صادق ،فلن يذهب سدى ، والله لايضيع أجر من أحسن عملًا فقد قال سبحانه عقب هذه الآية (والله عنده حسن الثواب) فقد لا تحصِّل نصرا ولا عزا في الدنيا ،ولكن يُدَّخر لك أجرا ورفعةً ومنزلةً في جنة عرضها السموات والأرض .والدعاء له ثلاث مراتب فقد يمن الله عليك وتحوز أعلاها (فأدناها وأقلَّها أن يحقق الله لك ما تتطلبه ، وأوسطَها أن يدفع الله عنك من البلاء ماهو أعظم ، وأعلاها أن يدخرَه لك أجرًا عنده في الآخرة ) فأنت لن تعدو هذه الخيرات والفضائل تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
الوقفة السابعة والأخيرة: في آخر الآيات يذكرنا الله بجامعِ الخير كله، وبقاعدةِ النصر التي لا تغيب ولا تتخلف ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) .فالصبرُ على شهوات النفس وحظوظها ، وأطماعها ومطامحها ، وضعفها ونقصها ، وعجلتها وملالها من طول الطريق وكثرة الأعباء ، الصبرُ على شهوات الناس ونقصهم وجهلهم وسوءِ تصورِهم ، وضيقِ أفقِهم ، وانحرافِ طباعهم ، وغرورِهم ، واستعجالِهم ،الصبر على انتفاخة الباطل ، ووقاحةِ الطغيان ، وانتفاشِ الشر ، وغلبةِ الشهوات ، وتصعيرِ الخدود، والغرور والخيلاء ، الصبرُ على قلةِ الناصر، وضعفِ اليقين، وطولِ الطريق، ووساوسِ الشيطان في ساعات الكرب والضيق ، الصبرُ على مرارةِ الجهاد لهذا كله ، الصبرُ بعد ذلك كلِّه على ضبطِ النفس في ساعة القدرة والانتصار، واستقبالِ الرخاء في تواضع وشكر ، والبقاءِ في الضراء على صلة بالله مع الصبر، ورد الأمر كله إليه في طمأنينة وخشوع.
وقوله (وصابروا) المصابرة: أي الاستمرار على الصبرِ وعدمِ الانقطاع ،فلا بد من مقابلةِ صبرِ العدو وجَلَدِهِ وتجلُّدِهِ بصبرٍ أقوى وأدوم ، فإذا كان الباطل يُصِرُّ ويصبر ويمضي في الطريق ، فما أجدر الحق أن يكون أشدَّ إصرارًا وأعظمَ صبرًا .
(واتقوا الله لعلكم تفلحون) : فالتقوى تصاحب هذا كلَّه ، فهي الحارس اليقظ في الضمير ، يحرسه أن يضعف ، يحرسه أن يعتدي ، يحرسه أن يحيد عن الطريق ، ولا يدرك الحاجة إلى التقوى -ذلكم الحارس اليقظ- إلا من يعاني مشاقَّ هذا الطريق ، ويعالجُ الانفعالات المتناقضة والمتكاثرة مع تكاثر الأحداث وتكاثر الأعداء وتكاثر المغريات في كل لحظة وفي كل حركة.فاللهم ارزقنا الصبر واليقين ، والثبات على الإيمان والدين .
ــــــــــ
د.ناصر بن يحيى الحنيني