ثم تعقبها الفتنة والابتلاء - كما حدث أول مرة - فأما ناس فيفتنون ويرتدون ! وأما ناس فيصدقون ما عاهدوا الله عليه فيقضون نحبهم ويموتون شهداء . وأما ناس فيصبرون ويصابرون ويصرون على الإسلام , ويكرهون أن يعودوا إلى الجاهلية كما يكره أحدهم أن يلقى في النار ; حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق , ويمكن لهم في الأرض - كما مكن للمسلمين أول مرة - فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي . .
ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية , وفق الموازين والقيم الإيمانية . .
ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها , لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم !
ولقد يقال بعد هذا:ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى . فإذا استقر المجتمع بعد ذلك ? وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين !
إن هذا الدين يتحرك دائما ولا يكف عن الحركة . .
يتحرك لتحرير"الإنسان". كل الإنسان . . في"الأرض". .
كل الأرض . .
من العبودية لغير الله ; وليرفعه عن العبودية للطواغيت ; بلا حدود من الأرض أو الجنس أو القوم أو أي مقوم من المقومات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة !
وإذن فستظل الحركة - التي هي طبيعة هذا الدين الأصيلة - تميز أصحاب البلاء وأصحاب الكفايات والمواهب ; ولا تقف أبدا ليركد هذا المجتمع ويأسن - إلا أن ينحرف عن الإسلام - وسيظل الحكم الفقهي - الخاص بتحريم تزكية النفس وطلب العمل على أساس هذه التزكية - قائما وعاملا في محيطه الملائم . .
ذات المحيط الذي نشأ أول مرة وعمل فيه .
ثم يقال:ولكن المجتمع حين يتسع لا يعرف الناس بعضهم بعضا ; ويصبح الأكفاء الموهوبون في حاجة إلى الإعلان عن أنفسهم وتزكيتها وطلب العمل على أساس هذه التزكية !
وهذا القول كذلك وهم ناشيء من التأثر بواقع المجتمعات الجاهلية الحاضرة . .
إن المجتمع المسلم يكونأهل كل محلة فيه متعارفين متواصلين متكافلين - كما هي طبيعة التربية والتكوين والتوجيه , والالتزام في المجتمع المسلم - ومن ثم يكون أهل كل محلة عارفين بأصحاب الكفايات والمواهب فيهم ; موزونة هذه الكفايات والمواهب بموازين وقيم إيمانية ; فلا يعز عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل البلاء والتقوى والكفاية . .