وشيئا فشيئا كانت هذه العناصر تنصهر وتتطهر وتتناسق مع القاعدة ; ويقل عدد الناشزين من ضعاف القلوب ومن المنافقين ; ومن المترددين كذلك والمتهيبين ; وممن لم يتم في نفوسهم الوضوح العقيدي الذي يقيمون على أساسه كل علاقاتهم مع الآخرين . .
حتى إذا كان قبيل فتح مكة كان المجتمع الإسلامي أقرب ما يكون إلى التناسق التام مع قاعدته الصلبة الخالصة ; وأقرب ما يكون بجملته إلى النموذج الذي يهدف إليه المنهج التربوي الرباني الفريد . .
نعم إنه كانت في هذا المجتمع ما تزال هناك أقدار متفاوتة أنشأتها الحركة العقيدية ذاتها ; فتميزت مجموعات من المؤمنين بأقدارها على قدر بلائها في الحركة وسبقها وثباتها . . تميز السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار . وتميز أهل بدر . وتميز أصحاب بيعة الرضوان في الحديبية . ثم تميز بصفة عامة الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا . وجاءت النصوص القرآنية , والأحاديث النبوية , والأوضاع العملية في المجتمع المسلم , تؤكد هذه الأقدار التي أنشأتها الحركة بالعقيدة وتنص عليها .
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار , خالدين فيها أبدا , ذلك الفوز العظيم . [ التوبة:100 ] .
"لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال:اعملوا ما شئتم , فقد وجبت لكم الجنة". . [ من حديث أخرجه البخاري ] . وكان هذا رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عمر - رضي الله عنه - وقد استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة حينما أدركته لحظة ضعف فأرسل إلى قريش سرا ينبئهم بتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفتح مكة .
(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة , فعلم ما في قلوبهم , فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا , ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما) . . . [ الفتح:18 - 19 ] .
(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل , أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى , والله بما تعملون خبير) . . . [ الحديد:10 ] .
"مهلا يا خالد , دع عنك أصحابي فوالله لو كان لك أحد ذهبا , ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركتغدوة رجل من أصحابي ولا روحة". . . [ أورده ابن القيم في زاد المعاد ] وهو رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خالد بن الوليد إذ تلاحى مع عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - وخالد هو سيف الله . ولكن عبدالرحمن من السابقين الأولين . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالد:"دع عنك أصحابي"وهو يعني هذه الطبقة ذات القدر الخاص المتميز في المجتمع المسلم في المدينة .
ولكن تميز هذه الطبقات بأقدارها الإيمانية التي أنِشأتها الحركة الإسلامية , لم يكن مانعا أن تتقارب المستويات الإيمانية وتتناسق في مجتمع المدينة قبيل الفتح ; وأن يتوارى الكثير من أعراض الخلخلة في الصف , والكثير من ظواهر الضعف والتردد , والشح بالنفس والمال , وعدم الوضوح العقيدي , والنفاق . . من ذلك المجتمع بحيث يمكن اعتبار المجتمع المدني بجملته هو القاعدة الإسلامية .