فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 2003

إلا أن فتح مكة في العام الثامن الهجري , وما أعقبه من استسلام هوازن وثقيف في الطائف وهما آخر قوتين كبيرتين بعد قريش في الجزيرة , قد عاد فصب في المجتمع المسلم أفواجا جديدة كثيرة دخلت في الدين مستسلمة على درجات متفاوتة من المستويات الإيمانية ; وفيهم كارهون للإسلام منافقون ; وفيهم المنساقون إلى الإسلام الظاهر القاهر , وفيهم المؤلفة قلوبهم , دون انطباع بحقائق الإسلام الجوهرية ولا امتزاج بروحه الحقيقية .

لقد كانت وقفة قريش العنيدة الطويلة حاجزا قويا دون انسياح الإسلام في الجزيرة العربية . فقد كانت قريش هي صاحبة الكلمة العليا في الشؤون الدينية في الجزيرة - فوق ما كان لها من نفوذ اقتصادي وسياسي وأدبي كذلك - فكانت وقفتها في وجه الدين الجديد , بهذه الصورة العنيدة , مدعاة لصرف العرب في أنحاء الجزيرة عن الدخول فيه , أو على الأقل مدعاة للتردد والانتظار حتى تنجلي المعركة بين قريش وهذا النبي من أبنائها ! . . .

فلما دانت قريش بالفتح , ودانت بعدها هوازن وثقيف في الطائف ; وكانت قبائل اليهود الثلاث القوية في المدينة قد خضدت شوكتها نهائيا فأجليت بنو قينقاع وبنو النضير إلى الشام , وأبيدت بنو قريظة , واستسلمت خيبر الاستسلام الأخير . . .

كان ذلك إيذانا بدخول الناس في دين الله أفواجا , وانسياح الإسلام في أرجاء الجزيرة كلها في خلال عام واحد .

غير أن هذا الاتساع الأفقي في رقعة الإسلام قد أعاد معه جميع الأعراض والظواهر التي ظهرت في المجتمع بعد انتصار بدر - ولكن على نطاق أوسع - بعد ما كاد المجتمع يبرأ منها بتأثير التربية الطويلة المدى , المستمرة التأثير في خلال السنوات السبع بعد بدر الكبرى ! ولولا أن المجتمع المدني بجملته كان قد تحول إلى أن يكون هو القاعدة الصلبة الخالصة لهذه العقيدة , والأساس الركين لهذا المجتمع ; لكان هناك خطر كبير من هذا الاتساع الأفقي السريع في رقعة الإسلام في الجزيرة . ولكن الله الذي كان يدبر لهذا الأمر ويرعاه , كان قد أعد العصبة المؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لتكون هي القاعدة الأمينة لهذا الدين بعد التوسع النسبي الذي جاء به انتصار بدر ; كما أنه - سبحانه - كان قد أعد المجتمع المدني بجملته ليكون هو القاعدة الأمينة بعد التوسع الشديد السريع الذي جاء به فتح مكة . . والله أعلم حيث يجعل رسالته . .

وأول ما ظهر من ذلك كان يوم حنين الذي جاء عنه في هذه السورة:"التوبة": لقد نصركم الله في مواطن كثيرة , ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ; وضاقت عليكم الأرض بما رحبت , ثم وليتم مدبرين . ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين , وأنزل جنودا لم تروها , وعذب الذين كفروا , وذلك جزاء الكافرين . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت