فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 2003

وسيكون ما يريده الله حتمًا . .

وستحاول البشرية ذات يوم أن تقيم تجمعاتها على القاعدة التي كرم الله الإنسان بها . والتي تجمع عليها المجتمع المسلم الأول فكان له تفرده التاريخي الفائق . وستبقى صورة هذا المجتمع تلوح على الأفق , تتطلع إليها البشرية وهي تحاول مرة أخرى أن ترقى في الطريق الصاعد إلى ذلك المرتقى السامي الذي بلغت إليه في يوم من الأيام . .

ذلك أن سياق السورة يرسم صورة كاملة للمجتمع المسلم في فترة ما بعد الفتح , ويصف تكوينه العضوي . .

وفي هذه السورة يتجلى نوع من الخلخلة وقلة التناسق بين مستوياته الإيمانية ; كما تتكشف ظواهر وأعراض من الشح بالنفس والمال , ومن النفاق والضعف , والتردد في الواجبات والتكاليف , والخلط وعدم الوضوح في تصور العلاقات بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات الأخرى , وعدم المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة - وإن كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة الخالصة من المهاجرين والأنصار - مما استدعى حملات طويلة مفصلة ومنوعة للكشف والتوعية والبيان والتقرير , تفي بحاجة المجتمع إليها .

ولقد سبق أن أشرنا إجمالا إلى أن سبب هذه الحالة هو دخول جماعات كثيرة متنوعة من الناس في الإسلام بعد الفتح ; لم تتم تربيتها ; ولم تنطبع بعد بالطابع الإسلامي الأصيل . إلا أن هذه الإشارة المجملة لا يمكن فهمها بوضوح إلا بمراجعة الواقع التاريخي الحركي قبل الفتح وبعده . . وسنحاول أن نلم به هنا بأشد اختصار ممكن ; قبل التعليق بشيء على دلالة هذا الواقع التاريخي ومغزاه , ودلالة النصوص القرآنية التي وردت في سياق هذه السورة كذلك .

لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة ; فلم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش - تحس بالخطرالحقيقي الذي يتهددها من دعوة:

"أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان الله ; ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى الله . ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

هذا التجمع الذي يدين منذ اليوم الأول بالطاعة لله ورسوله الله ; ويتمرد ويخرج على القيادة الجاهلية الممثلة في قريش والأوضاع السائدة في هذه الجاهلية .

لم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش أول الأمر - تحس بهذا الخطر وذاك حتى شنتها حربا شعواء على الدعوة الجديدة , وعلى التجمع الجديد , وعلى القيادة الجديدة ; وحتى أرصدت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن فتنة ومن حيلة . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت