فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 2003

لقد انتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه . .

وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى ربوبية الله للعالمين ; في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من ربوبية العباد للعباد ; وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد , يتبع في تحركه قيادة جديدة , ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض !

وعندئذ تعرض كل فرد في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها , إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان . .

ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد , والدينونة لقيادته الجديدة , إلا كل من نذر نفسه لله ; وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان . .

بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عودًا في المجتمع العربي ; فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوط فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى ; وكان هذا النوع قليلا , فقد كان الأمر كله معروفا مكشوفا من قبل ; فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام , وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التكوين .

وهكذا اختار الله السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة , ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة ; ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة ; مع السابقين من الأنصار الذين وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون , إلا أن بيعتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ بيعة العقبة ] قد دلت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة مكافئة لطبيعة هذا الدين . .

قال ابن كثير في التفسير:"وقال محمد بن كعب القرظي وغيره:قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ يعني ليلة العقبة ] :اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال:"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا , وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"قالوا:فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ? قال:"الجنة". قالوا:ربح البيع , ولا نقيل ولا نستقيل".

ولقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول الله هذه البيعة ; ولا يرتقبون من ورائها شيئا إلا الجنة ; ويوثقون هذا البيع فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه ولا أن يرجع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ! يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين ; بل كانوا مستيقنين أن قريشا وراءهم , وأن العرب كلها سترميهم ; وأنهملن يعيشوا بعدها في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة وبين ظهرانيهم في المدينة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت