وهو يشي بالاستنكار ; ووصم الكثرة التي تولت عن هذه الفريضة - بعد طلبها - وقبل أن تواجه الجهاد مواجهة عملية . .
وصمها بالظلم . فهي ظالمة لنفسها , وظالمة لنبيها , وظالمة للحق الذي خذلته وهي تعرف أنه الحق , ثم تتخلى عنه للمبطلين !
إن الذي يعرف أنه على الحق , وأن عدوه على الباطل - كما عرف الملأ من بني إسرائيل وهم يطلبون أن يبعث لهم نبيهم ملكا ليقاتلوا (في سبيل الله) . . ثم يتولى بعد ذلك عن الجهاد ولا ينهض بتبعة الحق الذي عرفه في وجه الباطل الذي عرفه . . إنما هو من الظالمين المجزيين بظلمهم . . (والله عليم بالظالمين) . .
ثم أعد طالوت جيشه ممن لم يتولوا عن فريضة الجهاد , ولم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم من أول الطريق . .
والسياق القرآني على طريقته في سياقة القصص يترك هنا فجوة بين المشهدين . فيعرض المشهد التالي مباشرة وطالوت خارج بالجنود:
(فلما فصل طالوت بالجنود قال:إن الله مبتليكم بنهر . فمن شرب منه فليس مني , ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده . فشربوا منه إلا قليلا منهم) . .
هنا يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل . .
إنه مقدم على معركة ; ومعه جيش من أمة مغلوبة , عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة . وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة . هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة . الإرداة التي تضبط الشهوات والنزوات , وتصمد للحرمان والمشاق , وتستعلي على الضرورات والحاجات , وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها , فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء . .
فلا بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه , وصموده وصبره:صموده أولا للرغبات والشهوات , وصبره ثانيا على الحرمان والمتاعب . .
واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش . ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه , ويؤثر العافية . . وصحت فراسته:
(فشربوا منه إلا قليلا منهم) . .
شربوا وارتووا . فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده , تبل الظمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف !
وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم . انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم . وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف , لأنهم بذرة ضعف