فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 2003

وخذلان وهزيمة . والجيوش ليست بالعدد الضخم , ولكن بالقلب الصامد , والإرادة الجازمة , والإيمان الثابت المستقيم على الطريق .

ودلت هذه التجربة على أن النية الكامنة وحدها لا تكفي ; ولا بد من التجربة العملية , ومواجهة واقع الطريق إلى المعركة قبل الدخول فيها . ودلت كذلك على صلابة عود القائد المختار الذي لم يهزه تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى . .

بل مضى في طريقه .

وهنا كانت التجربة قد غربلت جيش طالوت - إلى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت بعد: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا:لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) . .

لقد صاروا قلة . وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته:بقيادة جالوت . إنهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم . ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته . إنها التجربة الحاسمة . تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور . وهذه لا يصمد لها إلا من اكتمل إيمانهم , فاتصلت بالله قلوبهم ; وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم , غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم !

وهنا برزت الفئة المؤمنة . الفئة القليلة المختارة . والفئة ذات الموازين الربانية:

(قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله:كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله . والله مع الصابرين) . .

هكذا . . (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) . .

بهذا التكثير . فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو الله . القاعدة:

أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار . ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى ; ولأنها تمثل القوة الغالبة . قوة الله الغالب على أمره , القاهر فوق عباده , محطم الجبارين , ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين .

وهم يكلون هذا النصر لله: (بإذن الله) . .

ويعللونه بعلته الحقيقية: (والله مع الصابرين) . . فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل . .

ونمضي مع القصة . فإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله , التي تستمد صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء , وتستمد قوتها كلها من إذن الله , وتستمد يقينها كله من الثقة في الله , وأنه مع الصابرين . . إذا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة , الثابتة , التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته , مع ضعفها وقلتها . . إذا هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة . بعد أن تجدد عهدها مع الله , وتتجه بقلوبها إليه , وتطلب النصر منه وحده , وهي تواجه الهول الرعيب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت