وهذا التحديد منهم لطبيعة القتال , وأنه في (سبيل الله) يشي بانتفاضة العقيدة في قلوبهم , ويقظة الإيمان في نفوسهم , وشعورهم بأنهم أهل دين وعقيدة وحق , وأن أعداءهم على ضلالة وكفر وباطل ; ووضوح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل الله .
وهذا الوضوح وهذا الحسم هو نصف الطريق إلى النصر . فلا بد للمؤمن أن يتضح في حسه أنه على الحق وأن عدوه على الباطل ; ولا بد أن يتجرد في حسه الهدف . . في سبيل الله . . فلا يغشيه الغبش الذي لا يدري معه إلى أين يسير .
وقد أراد نبيهم أن يستوثق من صدق عزيمتهم , وثبات نيتهم , وتصميمهم على النهوض بالتبعة الثقيلة , وجدهم فيما يعرضون عليه من الأمر:
(قال:هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا !) . .
ألا ينتظر أن تنكلوا عن القتال إن فرض عليكم ? فأنتم الآن في سعة من الأمر . فأما إذا استجبت لكم , فتقرر القتال عليكم فتلك فريضة إذن مكتوبة ; ولا سبيل بعدها إلى النكول عنها . . إنها الكلمة اللائقة بنبي , والتأكد اللائق بنبي . فما يجوز أن تكون كلمات الأنبياء وأوامرهم موضع تردد أو عبث أو تراخ .
وهنا ارتفعت درجة الحماسة والفورة ; وذكر الملأ أن هناك من الأسباب الحافزة للقتال في سبيل الله ما يجعل القتال هو الأمر المتعين الذي لا تردد فيه:
(قالوا:وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ?) . .
ونجد أن الأمر واضح في حسهم , مقرر في نفوسهم . .
إن أعداءهم أعداء الله ولدين الله . وقد أخرجوهم من ديارهم وسبوا أبناءهم . فقتالهم واجب ; والطريق الواحدة التي أمامهم هي القتال ; ولا ضرورة إلى المراجعة في هذه العزيمة أو الجدال .
ولكن هذه الحماسة الفائرة في ساعة الرخاء لم تدم . ويعجل السياق بكشف الصفحة التالية: (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم) . .
وهنا نطلع على سمة خاصة من سمات إسرائيل في نقض العهد , والنكث بالوعد , والتفلت من الطاعة , والنكوص عن التكليف , وتفرق الكلمة , والتولي عن الحق البين . .
ولكن هذه كذلك سمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية ; فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية الإيمانية العالية الطويلة الأمد العميقةالتأثير . وهي - من ثم - سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر , وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر , كي لا تفاجأ بها , فيتعاظمها الأمر !
فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب , ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل
والتعقيب على هذا التولي: (والله عليم بالظالمين) . .