فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 2003

ثم - وهذا هو الأهم - عدم تخاذله وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة ; ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة . فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص , ووعد الله الصادق للمؤمنين .

والعبرة الأخيرة التي تكمن في مصير المعركة . .

أن القلب الذي يتصل بالله تتغير موازينه وتصوراته ; لأنه يرى الواقع الصغير المحدود بعين تمتد وراءه إلى الواقع الكبير الممتد الواصل , وإلى أصل الأمور كلها وراء الواقع الصغير المحدود . فهذه الفئة المؤمنة الصغيرة التي ثبتت وخاضت المعركة وتلقت النصر , كانت ترى من قلتها وكثرة عدوها ما يراه الآخرون الذين قالوا: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) . . ولكنها لم تحكم حكمهم على الموقف . إنما حكمت حكما آخر , فقالت: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله , والله مع الصابرين) . .

ثم اتجهت لربها تدعوه: (ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) . وهي تحس أن ميزان القوى ليس في أيدي الكافرين , إنما هو في يد الله وحده . فطلبت منه النصر , ونالته من اليد التي تملكه وتعطيه . .

وهكذا تتغير التصورات والموازين للأمور عند الاتصال بالله حقا , وعندما يتحقق في القلب الإيمان الصحيح . وهكذا يثبت أن التعامل مع وعد الله الواقع الظاهر للقلوب أصدق من التعامل مع الواقع الصغير الظاهر للعيون !

ولا نستوعب الإيحاءات التي تتضمنها القصة . فالنصوص القرآنية - كما علمتنا التجربة - تفصح عن إيحاءاتها لكل قلب بحسب ما هو فيه من الشأن ; وبقدر حاجته الظاهرة فيه . ويبقى لها رصيدها المذخور تتفتح به على القلوب , في شتى المواقف , على قدر مقسوم . .

فنخلص إذن من هذا العرض العام إلى تفصيل النصوص:

ثم يورد السياق التجربة الثانية , وأبطالها هم بنو إسرائيل من بعد موسى:

(ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله . قال:هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ! قالوا:وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله , وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ? فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم . والله عليم بالظالمين) . .

ألم تر ? كأنها حادث واقع ومشهد منظور . . لقد اجتمع الملأ من بني إسرائيل , من كبرائهم وأهل الرأي فيهم - إلى نبي لهم . ولم يرد في السياق ذكر اسمه , لأنه ليس المقصود بالقصة , وذكره هنا لا يزيد شيئا في إيحاء القصة , وقد كان لبني إسرائيل كثرة من الأنبياء يتتابعون في تاريخهم الطويل . . لقد اجتمعوا إلى نبي لهم , وطلبوا إليه أن يعين لهم ملكا يقاتلون تحت إمرته (في سبيل الله) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت