فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 2003

مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون . فلما أراد نبيهم أن يستوثق من صحة عزيمتهم على القتال , وقال لهم:

(هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا !) استنكروا عليه هذا القول , وارتفعت حماستهم إلى الذروة وهم يقولون له: (وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ?) . . ولكن هذه الحماسة البالغة ما لبثت أن انطفأت شعلتها , وتهاوت على مراحل الطريق كما تذكر القصة ; وكما يقول السياق بالإجمال:

(فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم) . . ومع أن لبني إسرائيل طابعا خاصا في النكول عن العهد , والنكوص عن الوعد , والتفرق في منتصف الطريق . . إلا أن هذه الظاهرة هي ظاهرة بشرية على كل حال , في الجماعات التي لم تبلغ تربيتها الإيمانية مبلغا عاليا من التدريب . .

وهي خليقة بأن تصادف قيادة الجماعة المسلمة في أي جيل . . فيحسن الانتفاع فيها بتجربة بني إسرائيل .

ومن ذلك أن اختبار الحماسة الظاهرة والاندفاع الفائر في نفوس الجماعات ينبغي أن لا يقف عند الابتلاء الأول . .

فإن كثرة بني إسرائيل هؤلاء قد تولوا بمجرد أن كتب عليهم القتال استجابة لطلبهم . ولم تبق إلا قلة مستمسكة بعهدها مع نبيها . وهم الجنود الذين خرجوا مع طالوت بعد الحجاج والجدال حول جدارته بالملك والقيادة , ووقوع علامة الله باختياره لهم , ورجعة تابوتهم وفيه مخلفات أنبيائهم تحمله الملائكة . . . !

ومع هذا فقط سقطت كثرة هؤلاء الجنود في المرحلة الأولى . وضعفوا أمام الامتحان الأول الذي أقامه لهم قائدهم: (فلما فصل طالوت بالجنود قال:إن الله مبتليكم بنهر:فمن شرب منه فليس مني . ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده - فشربوا منه إلا قليلا منهم) . . وهذا القليل لم يثبت كذلك إلى النهاية . فأمام الهول الحي , أمام كثرة الأعداء وقوتهم , تهاوت العزائم وزلزلت القلوب: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا:لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) . . وأمام هذا التخاذل ثبتت الفئة القليلة المختارة . . اعتصمت بالله ووثقت , وقالت: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) . . وهذه هي التي رجحت الكفة , وتلقت النصر , واستحقت العز والتمكين .

وفي ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة القيادة الصالحة الحازمة المؤمنة . . وكلها واضحة في قيادة طالوت . تبرز منها خبرته بالنفوس ; وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة , وعدم اكتفائه بالتجربة الأولى , ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس جنوده قبل المعركة , وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت