لقد كانت العصبيات قبل البعثة عميقة الجذور ، قوية البنيان فاستطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجتث هذا الداء العضال بكل صوره وأشكاله ، من أرض كانت تحيي ذكره ، وتهتف بحمده ، وتتفاخر على أساسه ، باعتبار ذلك كله من بقايا الجاهلية التي أعلن نبينا - صلى الله عليه وسلم - إماتتها إلى الأبد في لقائه الجامع بأمته في خطبة الوداع عندما قال لهم: (( ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع !! ) )فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، لا تفاضل بنسب ، ولا تمايز بلون ، وما النزعات العنصرية والنعرات الوطنية إلا ضرب من الإفك والدجل .
يقول المعصوم - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء(كبرها وفخرها) فالناس رجلان: مؤمن تقي ، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم ، وآدم من تراب ، ليدعن رجال فخرهم بأقوام ، إنما هم فحم من فحم جهنم ، أو ليكونن أهون (أحقر) على الله من الجعلان (حيوان الخنفساء) التي تدفع بأنفها النتن )) (2) .
ولله در علي ? عندما قال:
الناس من جهة الآباء أكفاء ... ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم من أصلهم نسب ... ... يفاخرون به فالطين والماء
المساواة في الإنسانية
لا تميز الشريعة الإسلامية بين الأفراد فهم جميعا لدى شريعة الله سواء ، فالحكام كالمحكوم ، والشريف كالوضيع ، والقوي كالضعيف ، ولا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى .
مرحبا بمن عاتبني فيه ربي !
1-وقد عاتب الله نبيه عتابا شديد لأنه اهتم بأمر قادة قريش وسراتها أكثر مما اهتم بأمر فقير أعمى ، هو ابن أم مكتوم عمرو بن قيس ، جاء يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه مما علمه الله ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مجتمعا في هذا الوقت بصناديد قريش وسراتها يكلمهم في شأن الدعوة ، فكره أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه ، وظهرت هذه الكراهية في وجهه ، وأعرض عنه وهو يطمع في استمالة القوم ، فأنزل الله جل شأنه يف هذا الحادث: ? عَبَسَ وَتَوَلَّى .أَن جَاءَهُ الأعْمَى .وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى .أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى .أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى .فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى .وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى .وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى .وَهُوَ يَخْشَى .فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى .كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ? [عبس1-11] .
لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها!
2-ولقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تطبيق مبدأ المساواة أمام الشريعة ، وعدم التمييز بين الناس ، من ذلك أنه طبق هذا المبدأ يوم سرقت امرأة من أشراف قريش ، فتحدث الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم على قطع يدها ، وأعظموا ذلك ، وكلموا فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فقام خطيبا فقال: (( إنما هلك