فهذه الشبهة زائفة، تحمل كفنها بين يديها، فنقول لهؤلاء: إن المعدن الأصيل لا يفقد ميزاته بالقدم، بل إن القدم مع الأصالة يشكلان أسباب نفاسته، شريعة الله مع قدمها لها هذه الأصالة، فلها من الثبات ما عجزت عنه تلك الأحكام التي يحتكمون إليها التي لا ترتكز على الجدة والقدم، فكم من قديم أسمى من جديد، وإنما الميزان هو النفع والضر، والطيب والخبيث وما أكثر الشبه!!
ولكن الله لا يصلح عمل المفسدين، فهم كناطح صخرة يوما ليوهنا. [1]
أول إعلان للمساواة في تاريخ الإنسانية
تظهر عظمة الإسلام وسمو شريعته في هذا الميدان كما ظهرت في غيره من الميادين ، فلأول مرة في تاريخ البشرية يأتي الإسلام رحمة للعالمين ، دين يوجه إلى البشرية كلها ، ويعتبر كل إنسان على وجه الأرض مساويا للآخر ، وهو أهل لثبوت الحقوق وتحمل الواجبات كأي إنسان آخر ، وأن كلا من الأصل والجنس واللون واللغة لا يمكن أن يفرق بين إنسان وآخر أمام الشريعة .
يقول الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ? [الحجرات: 13] .
ويقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: (( يا أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا أسود على أحمر ، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى ) ) (1) .
في هذا الوحي الرباني نجد أول إعلان في تاريخ الإنسانية يؤكد مبدأ المساواة بين بني الإنسان جميعا (( يا أيها الناس ) )أما شرع الله على اختلاف أصلهم وأجناسهم وألوانهم وظروفهم الاجتماعية أو درجاتهم في الجماعة .
حقائق مشهودة وليست دعايات مزعومة .
ولم يكن مبدأ المساواة الذي أعلنه الإسلام مبدأ نظريا كما فعلت الثورات والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان ، بل إن هذا المبدأ طبق في واقع الناس على مجتمع يتمايز فيه الناس بالأصول والأحساب والغنى والثروة .
إن مجتمعا يقف فيه بلال الحبشي ، وصهيب الرومي ، وسلمان الفارسي ، وخباب بن الأرت ، وعمار بن ياسر بجانب أبي سفيان ، وعثمان بن عفان ، وعمر بن الخطاب لدليل قاطع على أن العصبيات والقوميات والجنسيات قد ذهبت إلى غير رجعة ، وانصهرت في عقيدة واحدة ، هي عقيدة التوحيد ، تحت لواء واحد ، هو لواء الإسلام ، وأما نظام واحد هو شريعة الله .
(1) - انظر موسوعة خطب المنبر - (1 / 28)