فالقائلون بهذا القول نظروا إلى الحدود بعين واحدة، نظروا إلى الحدود ولم ينظروا إلى الجرائم، ينظرون إلى المجرم نظرة العطف ولا ينظرون إلى الضحايا نفس النظرة، والمجرم في الحد قد يكون واحدا، وقد تكون الضحية أكثر من واحد.
إن المجرم بمقارفته الحد يتحدى المجتمع كله، فكيف يصبر عليه؟! وكيف يعفو عنه؟!
ومن هذه الشبهة المتقدمة أنبت الشيطان وجنده شبهة ثانية، فقالوا: ولماذا كان القتل في حد المحصن رجما بالحجارة، أليس ذلك تحقيرا للإنسانية وازدراء لها؟! أليس هناك وسائل للقتل أرحم وأحسن وأسرع؟! فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحة وأي إحسان في القتل بالرجم ؟! أليس الصعق مثلا أو الشنق أخف على المحدود؟! ونحن نقول لهؤلاء: على رسلكم أيها الرحماء - كما تزعمون -! إن هذا قتل لا يراد منه الإزهاق الروحي وكفى، وإنما المراد من هذا القتل الزجر والردع عن مقارفة الجريمة الشنعاء، فليكن القتل بطريقة تليق بمن اقترف هذا الإثم المستقذر البشع ومن الحكمة في حد المحصن أن يكون الرجم بالحجارة، ليتألم جميع بدنه كما تلذذ بشهوة الزنى، جزاء وفاقا فالذي فرض العقوبة وقدرها وبين كيف تكون، إنما هو العليم الخبير، الذى يعلم خبايا النفس البشرية، والله يعلم المفسد من المصلح .
ومن ثم أتى الشيطان وجنوده بشبهة أخرى وهى أن إقامة الحد تقتضي إزهاق الأرواح وتقطيع الأطراف، وبذلك تفقد البشرية كثيرا من الطاقات والقوى وينتشر فيها المشوهون والمقطعون الذين كانوا يسهمون في النتاج والعمل.
ونحن نقول لجنود إبليس: إن القتل وتقطيع الأطراف في الحدود إنما يكون في حالات ضيقة محصورة، ولمن؟! إنه إزهاق لنفوس شريرة لا تعمل ولا تنتج، بل إنها تعطل العمل والإنتاج وتضيع على العاملين المنتجين ثمرات أعمالهم وإنتاجهم، مع ملاحظة أن إقامة الحدود إبقاء لآلاف الأطراف سليمة طاهرة عامله منتجة فالله تعالى يقول: ولكم في القصاص حياة [البقرة:179] . حيث إنه ليس انتقاما ولا إرواء للأحقاد، وإنما هو حياة، حيث يكف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء، فالذى يوقن أنه يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد فالله جعل لهذه الحدود مصلحة ومنفعة، فهو العليم الخبير الحكيم، الذي يضع كل شيء في موضعه الطبيعي.
ولقد أورد إبليس وجنوده شبه أخرى حيث قالوا: إن إقامة الحدود تقهقر بالإنسانية الراقية ورجعة إلى عهد الظلام الدامس والقرون الوسطى!! وهل يستسيغ عاقل متمدن عاش في القرن العشرين الميلادى!! وفى المدن الراقية مثل لندن ومثل باريس ونحوها!! أن يأخذ بقانون نشأ بين جبال وأحراش الجزيرة وجلاميد الصحراء؟
كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا [الكهف:5] . قاتلهم الله أنى يؤفكون.