وكذلك تكون الأمة من عنصرين: عصاة متمردون، وضعاف خائفون، لا يأمرون بخير ولا ينهون عن شر، وأي أمة تتألف من هذين الفريقين، لا يرجى لها فلاح، ولا يتحقق لها احترام ولا تقدير.
ونتيجة ذلك وقوع الأزمات الطاحنة والكوارث المدمرة والحروب بين الجماعات والطوائف.
وقد ينخدع بعض الناس الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة وهم غافلون فيرون بعض العصاة أو الكفار في بحبوحة من الدنيا ورغد من العيش وقوة ومنعة، ولو أنهم أمعنوا النظر وأعملوا الفكر لأدركوا أن ذلك متاع ظاهري، مقرون بالقلق النفسي من ناحية، ومهدد بالزوال والتدمير من ناحية ثانية، ومتبوع بالعقاب والسخط الإلهي من ناحية ثالثة لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد [الأعراف:96] .
عباد الله!
إن إقامة الحدود الشرعية، وتطهير المجتمع من بذور الإجرام، قد أثار حقد أعوان الشيطان من القانونيين الكفرة، فبدؤوا يلقون الشبه حول تطبيق القوانين الوضعية، التى شقي بها معظم المجتمعات، فهم يريدون أن يعم الشقاء حيث زعموا أن إقامة الحدود ضربا عنيفا من القسوة العاتية التى تتنافى مع الإنسانية الرحيمة ومع الشفقة التي يجب أن يتحلى بها الناس والتي تساير المدنية الحديثة والحضارة الراقية المهذبة!! إلى آخر ما قالوا من هذه العبارات الجوفاء الخاوية ونقول لهؤلاء: نعم إن في إقامة الحدود مظهرا من مظاهر الشدة التى تسمونها قسوة، ولا بد لكل عقوبة أن يكون فيها مظهر شدة أيا كانت وإذا لم تشتمل العقوبة على شيء من الشدة فأي أثر لها في الزجر والردع؟!
ثم، أسأل عقول هؤلاء - إن كانت لهم عقول: ما الذي حمل على هذه القسوة في نظركم؟ وما الذي دفع القاضي أن يحكم بهذه القسوة؟
إن الذي دعا إلى هذا هو شيء أشد منه قسوة، ولو تركنا هذه العقوبة القاسية - فيما تزعمون، لوقعنا في أمر أقسى من العقوبة وأقسى من موجبها، فمن الرحمة والشفقة أن تقيم الحد، ففيه رحمة بالمحدود، وبمن اعتدى عليه ألا ترون الطبيب الماهر الذي يستأصل بمبضعه جزء حيا من جسم أخيه الإنسان، أليست عملية البتر وضرب المبضع في اللحم الحي مظهرا من مظاهر القسوة؟ وهل يستطيع أن يمارس هذه العملية إلا قلب قوي يعد في نظركم أيها المترفون قلبا قاسيا؟! ولكنها - لو تعلمون - قسوة هي الرحمة بعينها، وبخاصة إذا قيست بما يترتب على تركها.
فحرصا على سلامة المجتمع من سرطان الجريمة كان من الحزم الواجب استئصال العضو المريض الذي لا يرجى من بقائه إلا الفساد والإفساد.
فذا العضو الفاسد أغلق قلبه، فلم يقبل نصحا، وألغى إنسانيته فلم يعرف رحمة ولا شفقة، فكان الجزاء من جنس العمل جزاء وفاقا [النبأ:26] . من يعمل سوء يجز به [النساء:123] .