وأن المستطيع مأمور بالقيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حسب استطاعته والأمر - للوجوب، فمن لم يقم بما يقدر عليه من ذلك وقد تعين عليه فهو آثم.
وأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يمكن السفهاء من نشر الفساد في الأرض وفي ذلك هلاك العالم وفساده. [1]
فلقد شرع الله سبحانه وتعالى الحدود لحكم عظيمة ومنافع جمة غفيرة، ينعم بجناها المجتمع الإنساني، ويتفيأ ظلالها، وتعود عليه بالأمن والاستقرار والراحة والهناء والاطمئنان، فيعيش المرء أمنا في سربه، مرتاح الضمير، روحه مصونة فلا تزهق، ودمه محقون فلا يراق، ونسبه كريم صاف فلا يلوث ولا يعتدى عليه، وعرضة سليم فلا يقذف ولا يوصم به، وأمواله محفوظة فلا تصل إليها يد خائن مجرم ولا تمتد إليها يد سارق جشع اتخذ النهب حرفة، وعقله باق على جبلته التى ميزه الله بها، فلا يزيل نعمة الله عليه بالسكر، ودينه ثابت مستقيم قوي صلب لا تلعب به الأهواء ولا تزعزعه العواطف فتجده مذبذبًا مترددًا يسير على غير هدى ويخبط خبط عشواء، ولهذا جعل الشارع عقوبة المرتد القتل (( من بدل دينة فاقتلوه ) ) (البخاري) .
فما دامت هذه فوائد الحدود، فهنيئا للذين يطبقون حدود الله في الأرض، حياة مستقرة سعيدة في الدنيا، وأجر ومغفرة من الله في الآخرة.
وبالمقابل، فما من أمة ضيعت أمر الله وحدوده إلا شاع فيها الذعر والفزع والاضطراب، وقل خيرها، وذهبت بركتها، وضاقت أرزاق أهلها، وكثرت فيها الأزمات والقلاقل.
ومصداق هذا من كتاب الله قوله تعالى: وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا [الجن:16] . وقوله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض
والواقع خير شاهد ودليل.
فانظروا إلى أولئك الذين استبدلوا بشريعة الله قوانين الكفر والضلال، كيف وصل حالهم؟! كيف فتكت الجرائم بمجتمعهم، فنشأ عن عدم تطبيق الحدود اجتراء الناس على محارم الله ومواقعتهم لحمى الله؟! والله يغار أن تنتهك محارمه أو يعتدى على حماه، ولا أحد أغير من الله ومن يجترئ على حدود الله، يصير معاديا له ومحادًا لرسوله، ومن حاد الله ورسوله، وقع في إسار الذلة والهوان، إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين .
وباجتراء الناس على محارم الله وإمساك الأمة عن إقامة الحدود والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، تلحقهم اللعنة، كما لحقت بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون.
(1) - انظر كتاب:الحدود والسلطان (16) الجزء الثاني..المبحث الثالث: حكم تعدد الأمراء أو تقصير السلطان في إقامة الحدود