هو أن تأتي في الكلام كلمة إذا طرحت من الكلام نقص معناه في ذاته أو في صفاته، ولفظه تام، ومن ذلك قوله تعالى:
(( أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كلّ زوج كريم ) ) [الشعراء/ 7] .
فقد كان يكفي أن يقال (كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) ، فما معنى الجمع بين (كم) و (كل) ؟ الجواب: أنّ كلًا إنّما دخلت للإحاطة بأزواج النبات، وكم دلت على أنّ هذا المحاط مفرط بالكثرة، وبذلك تنبيه على تمام القدرة وكمالها، وهذا هو مقتضى التتميم، كما أن المقصود ـ هنا ـ في الآية آحاد الأزواج، ويدل عليه أنّه لو أسقطت (كلّ) فقلت: انظروا إلى الأرض كم أنبت الله فيها من الصنف الفلاني لكنت مكنيًا عن آحاد ذلك الصنف المشار إليه، فإذا أدخلت (كلا) فقد أدّيت بتكريره آحاد كل صنف لا آحاد صنف معين. وتمم كذلك بوصفه (الكريم) بـ (الكريم) لأمرين:
أ. أن النبات ـ كما هو معلوم ـ نوعان: نافع وضار، فدلّ بكلمة (كريم) أنّه يقصد النوع النافع فذكر كثرة من أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع، وخلى ذكر الضار.
ب. أنّه يقصد كلا النوعين النافع والضار، ويصفهما جميعًا بـ (الكريم) تنبيهًا على أنّه ما خلق شيئًا إلا لفائدة، وربما خفيت عليكم أسرارها وصعب عليكم اكتناهها ولكنّه تعالى عالم بما تجهلون [1] .
وعلى هذا يمكن القول أن استعمال (التتميم) لإظهار تمام قدرة الله تعالى وكمالها، وللإشارة إلى مظهر من مظاهر الإبداع الإلهي، وكل ذلك يقتضي الإخلاص والعبادة لمن خلق فأبدع، لذا حث المخاطبين إلى النظر إلى
(1) ينظر إعراب القرآن وبيانه 7/ 56_ 57.