يلجأ التعبير القرآني أحيانًا إلى استعمال التشبيه لإثارة عقل الكافر في التفكير بحالة مزرية يكون عليها إن بقي على كفره، إذ يورد حجة عقلية بالغة تبين حالة الإيمان والكفر نحو قوله تعالى:
(( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرّنا ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالّذي استهوته الشّياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ) ) [الأنعام/ 71] .
ففي الآية الكريمة (( يقول له تعالى ذكره قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأنداد، والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة آلهتهم معهم، أندعو من دون الله حجرًا أو خشبًا لا يقدر على نفعنا أو ضرنا، فنخصه بالعبادة دون الله وندع عبادة الذي بيده النفع والضر، والحياة والموت، إن كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر، فلا شك أنكم تعلمون أنّ خدمة ما يرتجى نفعه ويرهب ضره أحق وأولى ) ) [1] . فالمراد من التشبيه (( هو أنه لا ينبغي لنا ولا يمكن أن نعبد غير الله بعد أن هدانا، لأنّه لو فعلنا ذلك لكنّا مثل من حيّرته الشياطين ) ) [2] . وقوله (كالذي استهوته الشياطين حيران) هو المشبه به وهو (( تمثيل بهيئة متخيلة مبنية على اعتقاد المخاطبين في أحوال المحسوسين فالكاف في موضع الحال من الضمير في(نرد على أعقابنا) أي حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين، فهذه الحال مؤكدة لما في (نرد على أعقابنا) من معنى التمثيل بالمرتد على أعقابه )) [3] . ووجه الشبه بينهما هو (( إنّ حال الصائر إلى الضلال بفكره بعد الدعاء إلى الهدى بإيمانه كحال الصائر إلى الضلال بسلوكه غير المحجة في طريقه بعد الدعاء إلى الهدى بلزومه المحجة التي تؤدي إلى نجاحه ) ) [4] .
(1) جامع البيان 7/ 235.
(2) إعراب القرآن وبيانه 3/ 150.
(3) التحرير والتنوير 7/ 301.
(4) الجمان في تشبيهات القرآن 97_ 98.