الصفحة 185 من 233

فالملاحظ أنّ آية العنكبوت اختصت بذكر (من) دون الأخيرتين، والسبب في ذلك يعود إلى أنّها جاءت في معرض سؤال الكفار على وجه التقرير عن الذي أنعم عليهم بالنعم السابغة من إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بعد موتها فتطلب ذلك تثبيت المعنى في النفس عن طريق التحقيق بـ (من) فـ (( التقرير يحتاج إلى التحقيق فوق غيره ) ) [1] فضلًا عن ذلك أن التوكيد بـ (من) يتناسب مع (( ما تقدم من قوله(من نزّل) فإنّ بنية (فعّل) للمبالغة والتكثير وذلك مما يستجرّ البيان والتأكيد فنوسب بينهما ولما لم يقع في الآيتين الأخريين إلا لفظ أنزل ولا مبالغة فيها ولا تأكيد ولا انجرّ في الكلام ما يعطيه لم يكن فيها ما يستدعي زيادة (من) ليناسب بها، فلم تقع في الآيتين )) [2] .

وقد اختلفت آية الجاثية عن آيتي البقرة والعنكبوت في تسمية الماء النازل من السماء رزقًا، والسبب في ذلك أن (( الجاثية لما تأخرت في الترتيب الذي استقر عليه القرآن، كانت مظنة البيان وإنّما الرزق عن الماء ) ) [3] .

ويبدو لي أنّ آية الجاثية تحتاج إلى المبالغة في إظهار النعمة أكثر من الآيتين الأخريين لذا جاءت تسمية الماء النازل من السماء رزقًا، إذ ذكرت نعمة الله تعالى في خلقه للناس (وفي خلقكم) فاستوفت نعمة الخلق ونعمة (الرزق) مما يستدعي ذلك إفحام المخاطبين.

ومن ذلك قوله تعالى في آية الأنعام:

(( سيقول الّذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيءٍ ) ) [الأنعام/ 148] .

وقوله في آية النحل:

(1) أسرار التكرار في القرآن 166.

(2) ملاك التأويل 101_ 102.

(3) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت