فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 759

ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة، فلم يحل بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم، بل أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبيّن لهم مواقع رضاه وغضبه، ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم، فلم تقو عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا، على هذا العاجل الحاضر المشاهد، وقالوا: كيف يباع نقد حاضر، وهو قبض باليد، بنسيئة مؤخّرة، وعدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم، ولسان حال أكثرهم يقول:

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به

فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع فضله، فأمدّه بقوة إيمان وبصيرة رأي في ضوئها حقيقة الآخرة ودوامها، وما أعدّ اللّه فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، ورأى حقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وقلّة وفائها وظلم شركائها، وأنها كما وصفها اللّه سبحانه لعب ولهو وزينة وتفاخر بين أهلها وتكاثر في الأموال والأولاد، وأنها كغيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفرّا، ثم يكون حطاما، فنشأنا في هذه الدار، ونحن منها وبنوها، لا نألف غيرها، وحكمت العادات، وقهر السلطان الهوى، وساعده داعي النفوس، وتقاضاه موجب الطباع، وغلب الحسّ على العقل، وكانت الدولة له.

والناس على دين الملك. ولا ريب أن الذي يخرق هذه الحجب، ويقطع هذه العلائق، ويخالف العوائد، ولا يستجيب لدواعي الطبع، ويعصي سلطان الهوى، لا يكون إلا الأقل، ولهذا كانت المادة النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من المادة الترابية، لخفة النار وطيشها، وكثرة نقلتها، وسرعة حركتها، وعدم ثباتها. والماء المادة الملكية، فتربه من ذلك، فلذلك كان المخلوق خيرا كله.

فالعقلاء المخاطبون مخلوقون من هذه المواد الثلاث، واقتضت الحكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت