فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 759

الماء، وكذلك مشيئته لحركات الأفلاك وهبوب الرياح ونزول الغيث، وكذلك خطرات القلوب ووساوس النفس، وكذلك مشيئته أن يكون العبد متكلما، لا يستلزم أن يكون كلّ حرف بمشيئته غير مشيئة الحرف الآخر، وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء أن يكون عبده شائيا مريدا، وتلك الإرادة والمشيئة صالحة للضدين، فإذا شاء أن يهدي عبدا صرف داعيه ومشيئته وإرادته إلى معاشه ومعاده، وإذا شاء أن يضلّه تركه ونفسه وتخلّى عنه، والنفس متحركة بطبعها لا بد لها من مراد محبوب هو مألوهها ومعبودها، فإن لم يكن اللّه وحده هو معبودها ومرادها، وإلا كان غيره لها معبودا ومرادا، ولا بدّ، فإن حركتها ومحبتها من لوازم ذاتها، فإن لم تحبّ ربّها وفاطرها وتعبده أحبّت غيره وعبدته، وإن لم تتعلق إرادتها بما ينفعها في معادها تعلقت بما يضرها فيه ولا بدّ، فلا تعطيل في طبيعتها، وهكذا خلقت.

فإن قلت: فأين مشيئة اللّه لهداها وضلالها.

قلت: إذا شاء إضلالها تركها ودواعيها، وخلّى بينها وبين ما تختاره، وإذا شاء هداها جذب دواعيها وإرادتها إليه وصرف عنها موانع القبول، فيمدها على القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي، ويصرف عنها الموانع التي خلّى بينها وبين غيرها فيها، وهذا بمشيئته وقدرته، فلم يخرج شي ء من الموجودات عن مشيئته وقدرته وتكوينه البتة، لكن يكون ما يشاء بأسباب وحكم، ولو أنّ الجبرية أثبتت الأسباب والحكم، لانحلّت عنها عقد هذه المسألة، ولو أنّ القدرية سحبت ذيل المشيئة والقدر والخلق على جميع الكائنات، مع إثبات الحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب سبحانه، لا نحلت عنها عقدها وباللّه التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت