فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 759

أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا، وإنا إذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة. وبالعكس، فهذه الحجة لا يمكن دفعها، والجمع بين الحجتين هو الحق، فإن اللّه سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته، وجاعلهما سببا لإحداثه الفعل، فالعبد محدث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة، وخالق السبب خالق للمسبّب، ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله، لما خلق له السبب الموجد له. فقال الفريقان للسني: كيف يكون الرب تعالى محدثا لها والعبد أيضا؟.

قال السني: إحداث اللّه سبحانه لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه، قائمة بمحلها، وهو العبد، فجعل العبد فاعلا لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة، وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به، وحدثت بإرادته وقدرته، وكلّ من الإحداثين مستلزم للآخر، ولكن جهة الإضافة مختلفة، فما أحدثه الربّ سبحانه من ذلك فهو مباين له قائم بالمخلوق مفعول له لا فعل، وما أحدثه العبد فهو فعل له، قائم به يعود إليه حكمه، ويشتق له منه اسمه، وقد أضاف اللّه سبحانه كثيرا من الحوادث إليه، وأضافها إلى بعض مخلوقاته كقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها (42) [الزمر] وقال:* قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ (11) [السجدة] وقال: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا (61) [الإنعام] وقال: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ (151) [آل عمران] وقال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (27) [إبراهيم] ، وقال: وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ (113) [النساء] وقال: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (102) [النحل] وقال: فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ (113) [النحل] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ (41) [المؤمنون] وقال: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ (40) [العنكبوت] فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) [القمر] .

وهذا كثير، فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه، وأضافها إلى أسبابها، إذ هو الذي جعلها أسبابا، لحصولها بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت