فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 759

البالغة عليهم بذلك، واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه، ثم قرر تمام الحجة بقوله فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه، وأنه لا ربّ غيره، ولا إله سواه، فكيف يعبدون معه إلها غيره. فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم، وأنّ الأمر كله للّه وأنّ كلّ شي ء ما خلا اللّه باطل، فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد، فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك، فكانت حجة اللّه هي البالغة وحجّتهم هي الداحضة، وباللّه التوفيق.

إذا عرفت هذا فموسى أعرف باللّه وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربّه بعده، وهداه واصطفاه. وآدم أعرف بربه من أن يحتجّ بقضائه وقدره على معصيته، بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، ولهذا قال له: أخرجتنا ونفسك من الجنة، وفي لفظ: خيّبتنا.

فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال: إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي، والقدر يحتجّ به في المصائب دون المعايب أي: أ تلومني على مصيبة قدّرت عليّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة، هذا جواب شيخنا رحمه اللّه.

وقد يتوجه جواب آخر وهو انّ الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضرّ في موضع، فينفع إذا احتجّ به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت