قال السني: قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا، بأنّ العاقل يعلم من نفسه وقوع الفعل مقارنا لقدرته، ولا يعلم من نفسه أنه واقع بقدرته، والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة، لما خالف فيه جمع عظيم من العقلاء؛ يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات، وهذا الجواب مما لا يشفي عليلا، ولا يروي غليلا، وهو عبارات لا حاصل تحتها، فإن كل عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته وإرادته وداعيته، فإن ذلك هو المؤثر في الفعل، ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة القدرة والداعية للفعل، ومقارنة طوله ولونه وشمه وغير ذلك من صفاته للفعل، ونسبة ذلك كلّه عند الجبري إلى الفعل نسبة واحدة، واللّه سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي، لا بهما، وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقترانا مجردا، ومعلوم أنّ هذا قدح في الضروريات.
ولا ريب أنّ من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضا، وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصل له الواقع بقدرته وإرادته، ولذلك يتلطّفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة، ويحتالون عليه بكل حيلة، فيعطونه تارة، ويزجرونه تارة، ويخوّفونه تارة، ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة، ويقولون: قد فعل فلان كذا، فما لك لا تفعل كما فعل؟ وهذا أمر مشاهد بالحسّ والضرورة، فالعقلاء ساكنو الأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع، وبه يحصل، ولو حرك أحدهم إصبعه، فشتمت المحرك لها، لغضب وشتمك وقال: كيف تشتمني؟ ولم يقل: لم تشتم ربي؟ وهذا أوضح من أن يضرب له الأمثال، أو يبسط فيه المقال.
وما يعرض في ذلك من الشّبه جار مجرى السفسطة، وقد فطر اللّه العقلاء على ذم فاعل الإساءة ومدح فاعل الإحسان، وهذا يدل على أنهم مفطورون