فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 759

ويحبها إذا وقعت، فهو يحبها ممّن وقعت منه، ولا يحبها ممن لم تقع منه، وهذا من أعظم الباطل والكذب على اللّه، بل هو سبحانه يكرهها ويبغضها قبل وقوعها وحال وقوعها، وبعد وقوعها، فإنها قبائح وخبائث، واللّه منزّه عن محبة القبيح والخبيث، بل هو أكره شي ء إليه، قال اللّه تعالى: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) [الإسراء] .

وقد أخبر سبحانه أنه يكره طاعات المنافقين، ولأجل ذلك يثبّطهم عنها، فكيف يحبّ نفاقهم ويرضاه، ويكون أهله محبوبين له مصطفين عنده مرضيّين؟ ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال، بالنسبة إلى الرب سبحانه، وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح، فلا فرق، بالنسبة إليه سبحانه، بين الشكر والكفر، ولذلك قالوا: لا يجب شكره على نعمه عقلا، فعن هذا الأصل قالوا: إن مشيئته هي عين محبته، وإنّ كلّ ما شاءه فهو محبوب له ومرضي له ومصطفى ومختار، فلم يمكنهم، بعد تأصل هذا الأصل، أن يقولوا: إنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها، ويحب بعضها، بل كلّ ما فعله وخلقه فهو محبوب له، والمكروه المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه، وإنما أصّلوا هذا الأصل محافظة منهم على القدر، فحثوا به على الشرع والقدر، والتزموا لأجله لوازم، شوّشوا بها على القدر والحكمة، وكابروا لأجلها صريح العقل، وسوّوا بين أقبح القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر، وقالوا: هما سواء، لا فرق بينهما إلا بمجرد الأمر والنهي، فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مساو للصدق والعدل والإحسان، في نفس الأمر، ليس في هذا ما يقتضي حسنه، ولا في هذا ما يقتضي قبحه، وجعلوا هذا المذهب شعارا لأهل السنة، والقول بخلافه قول أهل البدع من المعتزلة وغيرهم.

ولعمر اللّه إنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة للعقل والشرع، ولفطرة اللّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت