فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 759

في نفسي شي ء من القدر، فحدثني بشي ء، لعلّ اللّه يذهبه عني من قلبي، فقال: «إنّ اللّه لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا، ما قبله اللّه منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك، كنت من أهل النار» «1» .

قال: فأتيت عبد اللّه بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلّ منهم حدثني بمثل ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

وهذا الحديث حديث صحيح رواه الحاكم في «صحيحه» ، وله شأن عظيم، وهو دال على أنّ من تكلم به أعرف الخلق باللّه، وأعظمهم له توحيدا، وأكثرهم له تعظيما؛ وفيه الشفاء التام في باب العدل والتوحيد، فإنه لا يزال يجول في نفوس كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر والأمر والنهي، وكيف يجتمع العدل والعقاب على المقضي المقدّر الذي لا بدّ للعبد من فعله، ثم سلك كلّ طائفة في هذا المقام واديا وطريقا، فسلك الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة المحضة الذي يرجع مثلا على مثل، من غير اعتبار علة ولا غاية ولا حكمة، قالوا: وكلّ ممكن عدل، والظلم هو الممتنع لذاته، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لكان متصرفا في ملكه، والظلم تصرّف القادر في غير ملكه، وذلك مستحيل عليه سبحانه.

قالوا: ولما كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة، لم تكن الأعمال سببا للنجاة، فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم، فكانت رحمته خيرا من

(1) صحيح. رواه أحمد (5/ 182، 185، 189) وغيره عن زيد بن ثابت، وقد مر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت