سبب من العبد، يقتضي ذلك، بل أمره وحال مع أمره بينه وبين الهدى، فلم ييسر إليه سبيلا، ولا أعطاه عليه قدرة، ولا مكّنه منه بوجه، وأراد بعضهم بل أحب له الضلال والكفر والمعاصي، ورضيه منه. فهدى أهل السنة والحديث وأتباع الرسول لما اختلف فيه هاتان الطائفتان من الحق بإذنه، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قالت القدرية: لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان، وحال بينهم وبينه، إذ يكون لهم الحجة على اللّه، ويقولون: كيف يأمرنا بأمر، ثم يحول بيننا وبينه، ويعاقبنا عليه، وقد منعنا من فعله؟ وكيف يكلّفنا بأمر، لا قدرة لنا عليه، وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب، ثم سدّ عليه الباب سدا محكما، لا يمكنه الدخول معه البتة، ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول؟! وبمنزلة من أمره بالمشي إلى مكان، ثم قيّده بقيد، لا يمكنه معه نقل قدمه، ثم أخذ يعاقبه على ترك المشي؟!.
وإذا كان هذا قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج، فكيف ينسب إلى الرب تعالى مع كمال غناه وعلمه وإحسانه ورحمته؟! قالوا: وقد كذّب اللّه سبحانه الذين قالوا: قلوبنا غلف، وفي أكنّة، وأنها قد طبع عليها، وذمهم على هذا القول، فكيف ينسب إليه تعالى؟! ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بهداه الذي بعث به رسله، حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالإلف والطبيعة والسجيّة، أشبه حالهم حال من منع عن الشي ء، وصدّ عنه، وصار هذا وقرا في آذانهم وختما على قلوبهم وغشاوة على أعينهم، فلا يخلص إليها الهدى، وإنما أضاف اللّه تعالى ذلك إليه، لأن هذه الصفة قد صارت في تمكّنها وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها العبد. قالوا: ولهذا قال تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) [المطففين] وقال: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ (155) [النساء] وقال: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) [الصف]