فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 759

الثالث: أن هذا النسق العجيب والتركيب البديع مقتض ترتب ما بعد الفاء على ما قبلها ترتّب المسبب على سببه والمعلول على علته، ألا ترى أن الفسق علة حق القول عليهم، وحق القول عليهم علة لتدميرهم، فهكذا، الأمر سبب لفسقهم، ومقتض له، وذلك هو أمر التكوين لا التشريع.

الرابع: أن إرادته سبحانه لإهلاكهم إنما كانت بعد معصيتهم ومخالفتهم لرسله، فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت، فأراد اللّه إهلاكهم، فعاقبهم بأن قدّر عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم.

فإن قيل: فمعصيتهم السابقة سبب لهلاكهم، فما الفائدة في قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها (16) [الإسراء] وقد تقدم الفسق منهم؟.

قيل: المعصية السابقة وإن كانت سببا للهلاك، لكن يجوز تخلف الهلاك عنها، ولا يتحتم، كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه، أنه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم، فإذا أراد إهلاكهم ولا بد، أحدث سببا آخر، يتحتم معه الهلاك، ألا ترى أن ثمود لم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة، فعقروها، فأهلكوا حينئذ، وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى، حتى أراهم الآيات المتتابعات، واستحكم بغيهم وعنادهم، فحينئذ أهلكوا.

وكذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم، أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف، فقصدوهم بالفاحشة، ونالوا من لوط، وتواعدوه، وكذلك سائر الأمم، إذا أراد اللّه هلاكها، أحدث لها بغيا وعدوانا، يأخذها على أثره، وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا، فيعصيه العبد، وهو يحلم عنه، ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه، قيّض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى، فيظنّ الظانّ أنه أخذه بذلك العمل وحده، وليس كذلك، بل حقّ عليه القول بذلك، وكان قبل ذلك لم يحق عليه القول بأعماله الأولى، حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه، ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت