وهكذا تستمرُّ الآية الكريمة في التَّعريف بحلقات السِّلسلة التكوينية لخلق الإنسان. فمن التُّراب إلى النُّطفة ومن النُّطفة إلى العَلَقة ومن العَلَقة إلى المُضْغَة، حيث تكبر تلك النقطة العالقة، وتتحوَّل إلى قطعة من دم غليظ مختلط على هيئة مضغة لا تحمل سمة ولا شكلًا. ثمَّ تتابع المضغة طريقها فتمضي في خط ثابت من النُّمُوِّ لا ينحرف ولا تتوقف حركته المنتظمة حتَّى تجيء مرحلة العظام، فمرحلة كسوة العظام باللحم. وهنا يقف الإنسان مشدوهًا أمام ما كشفه القرآن عن مراحل تكوين الجنين، والَّذي لم يُعرف على وجه الدِّقة إلا مؤخَّرًا بعد تقدُّم علم الأجنَّة التشريحي: فخلايا العظام هي غير خلايا اللحم، وقد ثبت أن خلايا العظام تتكون أوَّلًا في الجنين، ولا تُشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين. وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض هذه المراحل الَّتي يمُرُّ بها كلُّ جنين، فقد جاء في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمِّه أربعين يومًا نُطفةً، ثمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثمَّ يُرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويُؤْمَر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيد..» ؛ وهذه الكتابة ليست كتابة إجبار وقهر، ولكنَّها كتابة علم بما سيكون عليه هذا المخلوق في المستقبل، فالإنسان مخيَّر في أقواله وأفعاله ومعتقداته وليس مسيَّرًا ولا مجبرًا. فهذا الإنسان ذو الخصائص المتميزة، والَّذي يشبه جنينه جنين الحيوان في أطواره الجسدية، ومع ذلك فإنه ينشأ خلقًا آخر، ويتحوَّل إلى مخلوق مستعدٍّ للارتقاء (المعرفي والرُّوحي) ، بينما يبقى جنين الحيوان في المراتب الدُّنيا، مجرَّدًا من خصائص الارتقاء والكمال الَّتي يمتاز بها الإنسان.