وبهذا المعنى يبقى الناس وعلى مرِّ العصور أعرابًا ولو سكنوا المدن والقصور، ما لم يلتزموا برياض العلم والعلماء، وما لم توصلهم محبَّتهم لرسول الله إلى طاعة أوامر الله تعالى، والالتزام بسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممَّا يؤهِّلهم لأن يتقبَّل الله تعالى أعمالهم كاملة غير منقوصة. أخرج ابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن الإمام علي بن أبي طالب ـ كرَّم الله وجهه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان» وهذا لا يحصل إلا بعد الدخول في مدرسة العمل، لأن الإيمان تصديق قلبي واطمئنان نفسي وسلوك عملي في طريق التربية وتهذيب النفس. ومع هذا فإنَّ كَرَمَ الله اقتضى أن يجزي الطائعين على كلِّ عمل صالح يصدر عنهم، فلا ينقص من أجرهم شيئًا ما استقاموا على الطاعة والتسليم. وهو تعالى ستَّار للهفوات، غفَّار لزلاَّت من تاب وأناب، وأخلص له، رحيم به فلا يعذِّبه بعد التوبة. أما من أقرَّ بالإسلام واكتفى من تعاليمه بالأماني، وأصرَّ على أعرابيَّته، فلم يكلِّف نفسه مشقَّة الالتزام بأحكام الإسلام وتكاليفه فله تهديد الله تعالى بقوله: {الأعرابُ أشدُّ كُفرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألاَّ يعلموا حُدودَ ما أنزلَ الله على رسولهِ والله عليمٌ حكيم} (9 التوبة آية 97) .
ثم يُبيِّن الله تعالى صفة المؤمنين الصادقين الَّذين صدقوا الله ورسوله، ثمَّ لم يتشكَّكوا، ولم يتزعزعوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وبذلوا مُهَجهم، ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، وتسلَّحوا بسلاح الصَّبر في مقاومة التجارب القاسية، والابتلاءات الشديدة. والتعبير على هذا النحو ينبِّه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق، وأخطار الرحلة لتحزم أمرها، وتحتسب معاناتها، وتستقيم، ولا ترتاب عندما يَدلَهمُّ الأمر، ويظلم الأفق، فالله تعالى وصف المؤمنين الصادقين بثلاثة أوصاف: