بعد هذا يرشدنا الله إلى كيفية سؤاله والتضرع إليه: {ربَّنالا تُؤاخِذْنا..} ويقدِّم لنا صورة رائعة البيان للدعاء الَّذي يُظهر حال المؤمنين مع ربِّهم وإحساسهم بضعفهم وافتقارهم إليه سبحانه، وحاجتهم إلى مدده وعونه. فدائرة الخطأ والنسيان تُحْكِمُ حصارها حول الإنسان، وحينها يتوجَّه إلى ربِّه يطلب منه العفو والسماح إذا وقع فيهما بعد بذل الجُهد والتفكر. إن هذا الدعاء يقوِّي في النفس خشية الله ورجاء مغفرته، فيتحوَّل إقبال المؤمن على ربِّه إلى نور تنقشع به ظلمة النسيان والخطأ والتقصير، فيستحقُّ العفو والمغفرة من الله الرَّحمن الرَّحيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه والبيهقي) . ومن خلال هذا الدعاء يتصل الخطاب بين الأرض والسماء، وتتَّجه القلوب المؤمنة الوَجِلة إلى خالقها، تطلب الإعفاء من التكاليف الشاقَّة، الَّتي تعجز عن القيام بها، والَّتي كُلِّفت بها أمم سابقة. ولا يخفى ما يمثِّله هذا الدعاء من الشعور بنعمة الانطلاق والتحرُّر من أسر العبودية لغير الله، وتَلَقِّي الشرائع والقوانين منه وحده، مع الاستعداد التام للتقيُّد بها والالتزام. ويتابع المؤمنون تضرُّعهم إلى الله راجين أن يرحم ضعفهم، فلا يكلِّفهم فوق طاقتهم كي لا يقصِّروا في أداء ما فرضه عليهم، وأن يمحو ذنوبهم، ويستر عيوبهم، ويرحمهم برحمته الواسعة الَّتي وسعت كلَّ شيء.
وهكذا فالإسلام دين كامل متكامل لا تعارُضَ بين أهدافه وغاياته، ولا بين طرق وأساليب تطبيقه المنسجمة مع الطاقات البشرية، إنه يصنع القلوب الَّتي يشرِّع لها، والمجتمع الَّذي يدعو إليه، صنعة إلهية متكاملة تسمو به إلى أُفُق الالتزام العقائدي، فلا رقابة سوى رقابة الضمير الإيماني، ولا هدف إلا رضا الله.