لقد افتتح الله تعالى سورة النساء بخطابه للناس جميعًا، داعيًا إيَّاهم إلى عبادته وحده، ومنبِّهًا لهم إلى قدرته الَّتي خلقهم بها من نفس واحدة؛ وهي نفس آدم عليه السلام والَّتي خلق منها زوجها وهي حوَّاء، فالأصل البشري واحد والنماذج لا حصر لها. وإن إلقاء نظرة على التنوُّع في خصائص الأفراد، على هذا المدى الواسع الَّذي لا يمكن أن يتماثل فيه فردان تمام التماثل على توالي العصور، لتدلُّ على دقَّة إبداع اليد المدبِّرة عن علم وحكمة، وتجعل العين والقلب يجولان في ذلك المتحف الحي، فيتمليان النماذج الَّتي لا تنفد. ومهما تشعَّب الناس بعد ذلك إلى أمم وبلدان وأجناس فإنما تشعُّبهم هذا ما هو إلا كتشعُّب العائلة الواحدة، والإخوة من أب واحد وأم واحدة، وحريٌّ بهذا التوحُّد في منشئهم وأصلهم أن يؤدِّي إلى تعاونهم وتعارفهم وتلاقيهم على الخير، والَّذي يرتكز على المبدأ الإنساني؛ وأن يصلوا أرحامهم ليكونوا أتقياء حقًا، وليظفروا بمرضاة الله، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: أمَّا ترضَيْن أني أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك» .
وقد تَرفعُ ظروف الحياة أفرادًا وتخفض آخرين، وقد تغني فئات، وتفقر فئات، وقد يؤدي تباعد البلدان واختلاف المناخ إلى تنوُّع ألوان البشر وتمايز العادات والأفكار، وكلُّ ذلك بإذن الله وإرادته، لكن الكلَّ عند الله سواء في آدميتهم وإنسانيتهم، وهم سواء أمام القانون الإلهي وفي كيان المجتمع الإنساني الواحد، يتأثَّر مجموعهم بفردهم وفردهم بمجموعهم، وليس لأحدهم فضلٌ على الآخر إلا بالتَّقوى.