الصفحة 301 من 1412

وهكذا فإن فيض السماء واحد في كلِّ زمان ومكان، وهو يترعرع وينمو حين يصادف قلوب المتَّقين الَّذين صُقلت نفوسهم، وهذِّبت نواياهم وشحذت هممهم للتسابق نحو الخير، فأثمرت المعرفة في قلوبهم، وتفجَّرت ينابيع الحكمة من حنايا عقولهم، فتقبَّلوا ما جاء به الأنبياء، وإن خالف أهواءهم، لأنهم في الأصل جعلوا أهواءهم تبعًا لما يحبُّ خالقهم، فلا تمرُّد ولا عصيان، بل قبول وإذعان. ولو شاء الله لجعل الناس أمَّة واحدة متجانسة تدين بشريعة واحدة، وتخضع لمنهج واحد، ولكنه جعل لكلٍّ طريقًا ومنهاجًا، وأخضعهم لابتلاء واختبار فيما آتاهم من الدِّين، وترك لهم حرية الاختيار تكريمًا لهم. ونظرًا لما زوَّدهم به من عقل مفكر وإرادة حرة، فهم أحرار فيما يختارون، لكنَّه حثَّهم على التسابق في أعمال الخير والبناء الأخلاقي والعلمي، ودعاهم إلى الألفة والوحدة فيما بينهم، باجتماعهم على كلمة سواء هي كلمة التَّوحيد، قال تعالى: {قُل ياأهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إلى كلمَةٍ سَواءِ بيننا وبَينَكُم ألاَّ نَعبُدَ إلاَّ الله ولا نُشرِكَ به شَيئًا ولا يَتَّخِذَ بعضُنا بعضًا أربَابًا من دُونِ الله فإِن تَوَلَّوا فقولُوا اشهَدُوا بأنَّا مُسلِمُونَ} (3 آل عمران آية 64) وهي كلمة عادلة منصفة لا غلبة فيها لفريق على آخر، وتتضمَّن الإقرار بأن لا إله إلا الله، وبأنه المتفرِّد بالألوهية فليس له شريك، وتحثُّ الناس على ألا يتَّخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، وألا يُؤَلِّهوا أنبياءهم ورسلهم، فكلُّ الأنبياء عبيد الله، اصطفاهم للدعوة إلى عبادته لا لمشاركته في ألوهيَّته. فلا يستحقُّ العبادة أحد غيره سبحانه وتعالى، لأنها التسليم المطلق لأمره، والانقياد التامُّ لشرعه، فهي التعبير العملي عن حقيقة العقيدة، فكما أنه لا فائدة من شجرة لا تثمر، فكذلك لا فائدة من قولٍ لا يخترق حجب النفس ولا يؤثِّر فيها، فيجعلها تنقاد وتذعن لحضرة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت