الصفحة 284 من 1412

الإسراء آية من آيات الله تعالى الَّتي لا تعدُّ ولا تحصى، وهو انتقال عجيب بالقياس إلى مألوف البشر، ولهذا فقد أثير حوله جدل طويل وتساؤلات كثيرة، فيما إذا كان قد تمَّ بالروح والجسد، أم بالروح فقط؟. والمتفق عليه لدى جمهور العلماء أنه تمَّ بالروح والجسد معًا، لأنه لو كان بالروح فقط لما أحدث خلافًا، إذ أننا نسري بأرواحنا كلَّ ليلة عند نومنا. ومع ذلك فإن الَّذين يدركون شيئًا من طبيعة القدرة الإلهيَّة، لا يستغربون واقعة كهذه، لأن تلك القدرة إرادة نافذة، تهون أمامها جميع الأعمال الَّتي تبدو في نظر الإنسان صعبة أو مستحيلة، حسبما اعتاده ورآه، وانطلاقًا من قدراته وطاقاته المحدودة. ولو كان الأمر موافقًا لهذه القدرات، لما كان فيه معجزة تشهد لصاحبها بصدقه فيما جاء به، فالنُّقلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والوصول إليه في سرعة تتجاوز الخيال ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى وتلقِّي القرآن والرسالة عنه، وقد صدق أبو بكر رضي الله عنه وهو يردُّ المسألة المستغرَبة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول: (إني لأصدِّقه بأبعد من ذلك، أصدِّقه بخبر السماء) . وقد جزم جمهور علماء المسلمين على أن الإسراء كان بالروح والجسد يقظة لا منامًا، معتمدين على أدلَّة كثيرة منها:

1 ـ إن التسبيح والتعجُّب في قوله تعالى: {سبحان الَّذي أسرى بعبده} إنما يكون في الأمور العظام، ولو كان ذلك منامًا لذكره الله تعالى (كما ذكره عن إبراهيم وولده إسماعيل في قصَّة الذبح المعروفة) ولمَا كان له كبير شأن، ولما كان دليلًا على نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم ، ولا حجَّة له على صدقه في رسالته.

2 ـ إن قوله تعالى: {بعبده} يدلُّ على مجموع الروح والجسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت