وأمَّا ما كان من أمر آدم عليه السلام فإن الله بعد أن تاب عليه، أمره هو وزوجه وإبليس أن يهبطوا إلى الأرض، وحذَّر آدم من مهادنة إبليس أو الرُّكون إليه، وبيَّن له أن الأرض هي مسكنه في الدُّنيا إلى أن ينقضي أجله فيها. وبذلك أَذِنَ تعالى ببدء المعركة بين الخير والشرِّ إلى آخر الزمان، ثمَّ يكون يوم الحساب وتكون العاقبة الحسنى للمتَّقين الأخيار.
وختامًا لهذا الفصل أرى أن نأخذ العبرة من هذه الآيات الكريمة، دونما حاجةٍ إلى الدخول في جدلٍ عقيمٍ حول حقيقة الجنَّة الَّتي عناها الله تعالى ومكانها؛ أفي الأرض هي أم في السماء، وعلينا أن نبتعد عن المخاصمة الفلسفية لئلا نهبط في متاهات تُفَرِّق القلوب وتُشتت العقول؛ والأهم من ذلك كلِّه أن نَصْدُقَ في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه؛ متجملين بأدب الحوار الإيجابي المثمر، وأن ندرك أن كلَّ فرد منَّا مسؤول شخصيًا عن إدارة الخلافة الربَّانية على هذه الأرض، وأن واجبه الأهم أن يتعلَّم {..وعَلَّمَ آدمَ الأسْمَاءَ كُلَّها..} وأن يقوم بالتالي بمهمة تعليم الآخرين {قالَ يا آدمُ أَنْبِئْهُم بأَسمَائِهم ..} ، وأن يكون النموذج الصادق في تطبيق ما تعلَّم، وأن يكون النموذج الأصدق في حسن تعليمه للآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن الإشارات اللطيفة التي يحسن ذكرها في ختام هذا البحث؛ أن الله تعالى عندما حذَّر آدم من التجاوب مع إبليس ذكر له أن نتيجة ذلك سوف تكون خروجه مع زوجه من الجنَّة، وشقاؤه بذلك؛ قال تعالى: {... فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنَّةِ فَتَشَقَى} ولم يقل تعالى: (فتشقيا) ، وهذا يعني أن الرجل سيصبح هو المكلَّف في هذه الدنيا بالتعب والمشقَّة، تلبية لحاجات المرأة، وصونًا لها وتأمينًا لرفاهيتها.