ويأكل آدم وزوجه من الشجرة المحظورة مدفوْعَيْن بوسوسة الشيطان، ومُنْخَدِعَين بمسوح التديُّن الَّذي ظهر به أمامهما ــ وهذه أخطر نقطة ضعف يمكن أن يُستغلَّ بها الأناس الطيبون ـ حيث صار يقسم لهما الأيمان على صدقه، وإرادة الخير لهما، {وقاسمهما إني لكما من الناصحين} ، وانساب إليهما من نقطة ضعفهما، بعد أن عرف هذه النقطة، وهي الانقياد لغريزتي حبِّ التملُّك والبقاء، وهما من أقوى النَّزَعات الَّتي تتملَّك الإنسان وأهمِّها، فقال له: {..ياآدمُ هل أَدُلُّك على شجرةِ الخُلدِ ومُلكٍ لا يبلى} (20 طه آية 120) فاستجاب آدم وزوجه لإغوائه وأكلا من الشجرة ناسيين، وما كادا يفعلان، حتَّى انكشف ما خفي عليهما من سوء عاقبة مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وأدركا فداحة خطئهما، عندها تدخَّلت الذَّات الإلهيَّة معاتبة مؤنِّبة؛ بأَنْ كنتُ قد نهيتكما عن الأكل من هذه الشجرة، وبيَّنت لكما أن الشيطان عدوٌّ لكما، فلِمَ المعصية؟.
على أن سرعة الانزلاق نحو المعصية عند آدم، قابلتها سرعة الرُّجوع والإنابة إلى الله، وهذا هو الفرق بين آدم وإبليس، فالأوَّل أحاط بخطيئته ورجع عنها، والثاني أحاطت به خطيئته بإصراره عليها. وهكذا ندم آدم على مخالفته، وأعلن وزوجَه التَّوبة والإنابة كما علَّمهما سبحانه فقالا: {ربَّنا ظَلمْنَا أنفُسَنا وإن لم تغفر لنا وتَرحَمنا لَنَكوننَّ من الخاسرين} فقبل تعالى توبتهما واجتباهما. أمَّا إبليس فقد أصرَّ على ذنبه، وركبه الغرور، فأمهله تعالى إلى يوم الدِّين، ومكَّنه من أن يرى بني آدم من حيث لا يرونه، وأن يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم، ولكنَّه حصَّنهم في مواجهته بالهداية والإيمان، وأعدَّ لإبليس في الآخرة جحيمًا دائمًا وعذابًا مقيمًا.