الصفحة 9 من 604

فبلال مثلا - بدأوا فحبسوه في مكان مغلق،وحرموه من الطعام والشراب،ظانين أنه قد يتراجع تحت الضغط عن دينه،ولكنهم وجدوه أكثر صلابة وتمسكا بالحق،فأخذه"أمية بن وهب"إلى الصحراء،وقد اشتدت حرارة الشمس وازداد لهيب الرمال،فألقاه،وجعل على صدره صخرة كبيرة،وهدده بالموت إن لم يتخل عن دينه،وبلال لا يقول سوى:"أحدٌ .. أحدٌ".. ويمر به أبو بكر فيرى هذا المشهد القاسي،فيخاطب أمية:

-ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ إلى متى؟

فأجابه أُمَيّة بحسبة دنيوية خاطئة: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى!

فاشترى أبو بكر بلالا،وأعتقه في سبيل الله..

وانعدم الحياء والخجل من نفوس المشركين،فأخذت أياديهم في تعذيب الإماء ـ إناث العبيد ـ وكانت تقاليدهم في الجاهلية تمنعهم من هذا،إلا أن الغيظ أعماهم،وقد بلغ التعذيب بإحداهن أن فقدت بصرها،فلما سمع أبو بكر بهذا ذهب فاشتراها وأعتقها لوجه الله.

لكن أبا قحافة والد الصدّيق لم يعجبه أن يشترى ابنه عبيدا ضعفاء لا يقدرون على خدمته،ثم يعودَ فيعتقهم،فنصحه بشراء عبيد أقوياء يصلحون لخدمته ويتقى بهم أذى المشركين.

وهنا يبين أبو بكر لأبيه ذلك المعنى العميق الذى غاب عنه:"يا أبت إنى إنما أريد ما أريد لله - عز وجل"!!

هذا أبو بكر يرى نفسه فردا من الناس،ويرى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أمة كاملة،بما يحمل من الرسالة،ويتلقى من الوحي،وبما جمعه الله فيه من محاسن الأخلاق،وجعله قدوة للناس في عقائدهم وشعائرهم وأخلاقهم.. لهذا كله كان الصدّيق يضع نفسه موضع المدافع عن الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ولا يستكثر أن تذهب هذه النفس فداء للإسلام ورسوله.

لقد كان يتعجب من قسوة قلوب المشركين،وفوق ذلك يتعجب من تعرضهم للنبى الذى يحمل لهم الخير والهداية بالإيذاء،فمر يوما بالمسجد الحرام فوجد شيخا من شيوخ الكفر قد أمسك بملابس رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حتى كاد يخنقه،فجذب أبو بكر الكافرَ من كتفه بقوة،وصرخ في وجوه أهل الشرك مستنكرا ضلالتهم: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) ؟!

جاء العامُ العاشر من البعثة شديدًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أطلق عليه"عام الحزن"؛ إذ مات فيه نصيراه الكبيران: زوجته خديجة وعمه أبو طالب،وفقد بموتهما ركنين قويين كانا يردان عنه أذى السفهاء ويخففان عنه ثقل ما يجد من تعنت المشركين.. وفى هذا العام نفسه ذهب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف بحثا عن قلوب تتقبل الإيمان،لكنهم كانوا أقسى عليه من قريش،إذ رفضوا الاستجابة لدعوته،وآذوه في نفسه وجسده الشريف..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت