الصفحة 384 من 604

المبحث السادس

حياة الناس في عهد الخلفاء الراشدين

نحن أمام تجربة بشرية ضخمة.. بإزاء مجتمع مترامي الأطراف،لم يتجمد في مواقعه الأولى،بل تحرك داخل إطار زمني ضيق في مساحة من الأرض واسعة جدا،فصال وجال في ميادين ومجالات عدة،وكانت الصورة مبهرةً ساطعة الضوء،وإن بدت فيها ظلال سوداء في بعض الأحيان،ومن بعض طوائف المجتمع،كشأن أي مجتمع بشري..

لقد كانت الحركة العلمية في عصر الراشدين قويةً جدًا،برغم قيامها على النقل الشفوي أساسًا،وشارك فيها الرجل والمرأة والطفل. كذلك شاركت المرأة الرجل في الحياة الأدبية لهذا العصر،والتي اتجه كثير من نشاطها الشعري والخطابي أساسًا إلى الحديث عن الحروب والفتوح.

وجرب المجتمع المسلم منذ هذا الزمن الأول التعامل مع غير المسلمين،فقدم صورة طيبة لرعاية الحقوق وحفظ الذمة.

وراعى الخلفاء الراشدون أن يصاحب الامتداد الجغرافي للمجتمع امتدادٌ آخر عمراني،كان كثير منه متعلقًا ببناء المساجد وعمارتها،واختُص بعضه بعمارة الأسواق التي كانت تمثل الجانب الأبرز في حياة الناس الاقتصادية لهذا العصر.

ولم تكن الأحوال العامة والحياة اليومية لمجتمع الراشدين تستبعد الرقيق أو تحذفهم من صفحتها،بل كانوا مكونًا رئيسًا في مجتمع هذا العصر،ونالوا الفرصة كاملة للنبوغ والتفوق بالعلم وحسن السيرة.

مات النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يوم مات ولم يكن مكتوبا من العلم سوى القرآن وبعض السنة،لكنه ترك خلفه عشرات الآلاف من أصحابه يحفظون كل صغيرة وكبيرة لها صلة بالإسلام،كما زرع في أصحابه حب العلم والتعليم وإعمال العقل في فهم الدين والكون...

ويوم تولى أبو بكر الخلافة كانت الصدور وذاكرة المجتمع تتحرك حاملة هذا الميراث النبوي الغزير،وكان لابد من إدارة هذا الميراث الهائل في الناحية التي تضمن صيانته وحفظه،حتى تتسلمه الأجيال المتتالية صحيحا سالما من التحريف والزيف،فكان من أعظم إنجازات عصر الراشدين جمعُ القرآن مدونًا في مصحف واحد،كما حرص الراشدون وعلماء عصرهم على الدقة في تعليم سنة رسول الله وتلقيها.. لقد عاش في هذه الفترة أعلم الناس بدين الله وكتابه،وجاء الراشدون الأربعة أنفسهم على رأس هذه القائمة من العلماء،وكان للعالم في هذه الفترة الدور البارز في خدمة دينه ومجتمعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت